محاضرات في قانون التجارة الدولية

11 04 2010

م.بوطريكي

أستاذ العلوم القانونية بجامعة محمد الأول بوجدة

قانون التجارة الدولية

السنة الجامعية:2009/2010

مقدمة:

تتعلق التجارة الدولية بالقواعد المنظمة لانتقال وتبادل السلع والخدمات فيما بين الدول وفي نطاق الأقاليم الجمركية والمناطق التجارية الإقليمية.

إن الإشكالية القانونية للتبادل التجاري الدولي موجودة منذ أقدم العصور بين المدن اليونانية و شعوب البحر الأبيض المتوسط. وقد عرفت التجارة الدولية تطورا تاريخيا مهما إلا أن أكبر تطور عرفته منذ الحرب العالمية الثانية هو إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في1 يناير 1995، غير أن النظام الدولي الذي تمثله كان له تقريبا أكثر من ربع قرن، إذ في 1948 أنشأت الكات قواعد للنظام التجاري الدولي. وقد نتج عن الاتفاق العام بسرعة منظمة دولية رسمية أطلق عليها الكات التي تطورت على مر السنوات من خلال العديد من الجولات ، و كانت الجولة الأهم هي جولة الأوروغواي التي دامت من 1986 إلى 1994 و انتهت بإنشاء المنتظمة العالمية للتجارة، وكانت الكات تنظم بالأساس تجارة البضائع ، في حين أن المنظمة العالمية للتجارة تنظم اليوم تجارة الخدمات و الملكية الفكرية.

فرغم أن تأطير الجهد الدولي في حقل تنظيم التجارة الخارجية قد انطلق منذ عام 1947 عبر مؤتمر هافانا الذي أفرز اتفاق هافانا الشهير بشأن تحرير التجارة الخارجية [1]، ورغم إبرام الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (الكات 1947) وسريانها منذ عام 1948 ، ورغم دخول دول العالم في ثمانية جولات تفاوضية [2] بشأن تحرير التجارة الدولية محصورة في ميدان البضائع (السلع) ، إلا أن اقتحام تجارة الخدمات والملكية الفكرية ميدان التجارة الدولية قد تم في جولة الأورغواي الأخيرة 1986-1994 ، حيث تم إقحام هذين الموضوعين بتدخل أمريكي مباشر وتأييد من الدول الصناعية في ظل معارضة من الدول النامية ، ومع اختتام أعمال جولة الأورغواي جرى إنشاء منظمة التجارة العالمية بموجب إعلان مراكش 15/4/1994 لتبدأ عملها إعتبارا من 1/1/1995 .

وتهتم المنظمة العالمية للتجارة بالقواعد التي تنظم التجارة بين الدول على المستوى العالمي أو شبه العالمي.غير أن هذا ليس هو كل شيء،إذ هناك العديد من الطرق للنظر إلى  المنظمة العالمية للتجارة ، فهي تعمل على تحرير التجارة ، وهي إطار تتفاوض فيه الدول بشأن الاتفاقيات التجارية ، وهي المكان الذي تفصل فيه  في خلافاتها التجارية، كما تدير المنظمة نظاما من القواعد التجارية.

إن المنظمة العالمية للتجارة هي قبل كل شيء إطار للتفاوض، فهي المكان الذي تلجأ إليه الدول الأعضاء لمحاولة حل المشاكل التجارية الموجودة بينها، و تكمن المرحلة الأولى في التشاور، فالمنظمة هي ثمرة للمفاوضات، وكل ما تقوم به هو نتيجة للمفاوضات. وتنبع الأعمال التي تقودها حاليا المنظمة في جزء كبير منها من المفاوضات التي أجريت بين 1986 و 1994 التي أطلق عليها اسم “جولة الأوروغواي، و المفاوضات السابقة التي تمت في إطار الكات. و تقوم المنظمة حاليا بمفاوضات جديدة في إطار برنامج الدوحة من أجل التنمية الذي أعلن عنه في 2001.

فعندما تصطدم الدول بحواجز تجارية، تسعى المنظمة إلى  التخفيض منها، كما تساهم في تحرير التجارة، غير أن المنظمة لا تعمل فقط من أجل تحرير التجارة، إذ أن قواعدها في بعض الظروف تفضل الإبقاء على الحواجز أمام التجارة من أجل حماية المستهلكين أو منع انتشار الأمراض و الأوبئة مثلا.

وهي أيضا مجموعة من القواعد، ففي قلب النظام نجد اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة المتفاوض بشأنها و الموقع عليها من طرف أغلب القوى التجارية في العالم. و تشكل هذه الوثائق القواعد القانونية الأساسية للتجارة الدولية، فهي بالأساس عقود مادام أن الحكومات تلتزم بالحفاظ على سياساتها التجارية داخل الحدود المتفق عليها. فرغم أنها متفاوض بشأنها و موقع عليها من قبل الحكومات، فإن هدفها هو مساعدة منتجي السلع و الخدمات و المصدرون و الموردون لممارسة أنشطتهم مع السماح للحكومات للاستجابة للأهداف الاجتماعية و البيئية.

إن الهدف الأساسي للمنظمة هو المساهمة في تشجيع أكثر ما يمكن حرية المبادلات، مع تجنب الآثار الجانبية غير المرغوب فيها لأن ذلك مهم بالنسبة للتنمية الاقتصادية، و يتعلق الأمر بإلغاء الحواجز و إعلام الخواص و المقاولات و السلطات العمومية بالقواعد التجارية الجاري به العمل في العالم و طمأنتهم بأن لا يكون هناك أي تغيير مفاجئ في السياسات المطبقة. و بعبارة أخرى فإن القواعد يجب أن تكون شفافة.

كما تساعد المنظمة على حل الخلافات ، وهذا هو الجناح الثالث من القواعد المنظمة للتجارة الدولية لأنه غالبا ما ينجم عن العلاقات التجارية مصالح متناقضة، و غالبا ما تكون الاتفاقات  بما في ذلك حتى تلك المتفاوض بشأنها في حاجة إلى تفسير، و أحسن طريقة لحل هذه النزاعات هو اللجوء إلى مسطرة محايدة على أساس قانوني متفق عليه، وهذا هو هدف الجهاز المكلف بحل الخلافات  المعلن عنه في اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة .كما تم وضع عدد من التدابير و العقوبات لضمان أمن المشاركين و احترام تلك القواعد.

فكيف نشأت  الكات و كيف تحولت إلى المنظمة العالمية للتجارة ؟ وماهي القواعد القانونية التي  تحكم التجارة الدولية؟  و ما هي جزاءات عدم احترام هذه القواعد؟

وعليه ولدراسة هذا الموضوع سنتناول  الكات و التحول إلى إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في مبحث أول، لنتطرق بعد  ذلك في مبحث ثان للقواعد المنظمة للتجارة الدولية و جزاءات عدم احترامها.

المبحث الأول: من الكات إلى المنظمة العالمية للتجارة

حتى تاريخ إعلان تأسيس منظمة التجارة العالمية كانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الكات 1947)هي اتفاقية التجارة العالمية الوحيدة ، و خلال الفترة الواقعة بين 1947 و1994 نظمت ثماني جولات للاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف. وتعد الجولة الأخيرة (أوروغواي 1986-1994) أهم وأعقد وأطول الجولات بسبب ازدهار العلاقات الاقتصادية العالمية بدرجة كبيرة جدا، فقد تزايدت الصادرات السلعية واتسعت حركات رؤوس الأموال وحدث تقدم تكنولوجي هائل وسريع في ميدان انتقال وتبادل المعلومات. أضف إلى ذلك أن التنظيم التجاري العالمي الجديد لم يعد يقتصر على السلع بل أصبح يشمل أيضا الخدمات التي باتت تشكل خمس المبادلات العالمية وكذلك حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة. كما تمخض عن هذه الجولة ظهور منظمة التجارة العالمية التي أصبحت الإطار الوحيد لتنفيذ النظام التجاري الجديد القائم على الاتفاقيات متعددة الأطراف (29 اتفاقية).

فمتى وكيف نشأت منظمة التجارة الدولية ؟  وكيف تعمل منظمة التجارة الدولية وما هي    أجهزتها  ؟

وعليه سنتناول  اتفاقية الكات و التطور نحو إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في مطلب أول، بينما نتطرق في المطلب الثاني للأجهزة المسيرة للمنظمة العالمية للتجارة.

المطلب الأول: اتفاقية الكات والتطور نحو إنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO)

بعد التوقيع على الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية (GATT)، وبعد سلسلة من الجولات تحولت ابتداء من 15 أبريل/ نيسان 1994 إلى منظمة التجارة العالمية[3]. فكيف تم هذا التحول؟

الفرع الأول: الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات GATT): النشأة و الأهداف

شهدت التجارة الدولية عدة تطورات في القرن العشرين ، كان  أهمها انعقاد مؤتمر بريتون وودز عام 1944 في الولايات المتحدة الأمريكية والذي كان من نتائجه ظهور اتفاقية الكات و التي تم التوقيع النهائي عليها في 30أكتوبر 1947 و أصبحت سارية المفعول منذ 1 يناير1948. وكان الهدف من هذه الاتفاقية هو وضع قواعد عامة لتحرير التجارة الدولية و إزالة الحواجز الجمركية و غير الجمركية التي تحد من حركتها. و قد عرفت هذه الاتفاقية تطورا مهما عبر سلسلة من الجولات والمؤتمرات كان آخرها  جولة الأوروغواي في 1995 التي أسفرت عن إنشاء المنظمة العالمية للتجارة التي أصبحت الأداة الرئيسية لتنظيم التجارة الدولية.

فكيف نشأت الكات ؟ وما  هي أهدافها و كيف إنتهت؟

الفقرة الأولى: نشأة الكات

شهد  النظام التجاري العالمي في الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية اختلالا شديداً ، حيث خرجت معظم دول العالم من الحرب و هي تعاني من أزمات اقتصادية شديدة و لم ينج من هذا المصير المظلم إلا الولايات المتحدة الأمريكية التي تفوقت على بقية دول العالم اقتصاديا و مال الميزان التجاري مع العالم لصالح واشنطن ، وانتشرت الحروب التجارية و قضايا الاحتكار و التحالفات ، وهي المظاهر التي هددت بإشاعة نوع من الفوضى الشاملة في العالم.  ونتيجة لهذا اتفقت دول العالم على إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد يقوم على ثلاثة ركائز هي :

- استقرار سعر الصرف وحرية تحويل العملات من ناحية.

- حرية انتقال رؤوس الأموال وتوفير مناخ مناسب للاستثمار العالمي من ناحية ثانية .

- ثم ضمان حرية التجارة الدولية من ناحية ثالثة.

ولتحقيق الضلعين الأول والثاني من النظام الاقتصادي العالمي تم إنشاء كل من صندوق النقد الدولي (IMF) و البنك الدولي للإنشاء و التعمير (IBRD) وهي المنظمات التي يطلق عليها لقب “منظمات بريتون وودز”.

وفيما يتعلق بالضلع الثالث من النظام الاقتصادي العالمي – الذي يتمثل في ضمان حرية التجارة العالمية – فقد انعقد مؤتمر هافانا عام 1947 و صدر عنه ما يعرف بميثاق هافانا ، لتأكيد مبدأ حرية التجارة وإنشاء منظمة التجارة الدولية (ITO)في ذلك الوقت للإشراف على تنفيذ هذه المبادئ.  و كان الأمر يتعلق بإنشاء منظمة ثالثة تهتم بالمساءل التجارية و التعاون الاقتصادي الدولي، إلى جانب مؤسسات “بروتون وودز”. و شارك أكثر من 50 دولة في المفاوضات الهادفة إلى إنشاء منظمة دولية للتجارة. لقد كان مشروع ميثاق هذه الأخيرة طموحا جدا، فبالإضافة إلى مجالات التجارة الدولية كان يتضمن قواعد تخص العمل ـ و اتفاقيات تخص المنتوجات و الممارسات التجارية التقييدية و الاستثمارات الدولية و الخدمات. وكان الهدف هو إنشاء هذه المنظمة أثناء مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة  و العمل المنعقد في هافانا بكوبا في 1947.

وفي الوقت نفسه ،وكانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت ، التزمت 15 دولة بإجراء محادثات  لتقليص و تجميد التعريفات الجمركية، و إيجاد حلول للعديد من التدابير الحمائية التي بقيت حيز التنفيذ منذ بداية الثلاثينيات.

و قد أدت هذه السلسلة الأولى من المفاوضات إلى  مجموعة من القواعد التجارية و 45000 التزام بشأن التعريفات الجمركية تتعلق بحوالي خمس التجارة الدولية أي ما يناهز عشرة ملايير دولار.

وعندما تم التوقيع على الاتفاقية في 30 أكتوبر 1947 ارتفع عدد المشاركين ليصل إلى 23 عضو ، و دخلت الالتزامات الجمركية حيز التنفيذ في 01 يناير 1948 بواسطة ”  “بروتوكول التطبيق المؤقت”، هكذا أنشأ الاتفاق العام الجديد حول التعريفات الجمركية و التجارة مع 23 عضو مؤسس (الأطراف المتعاقدة)، وكان المشاركون الثلاثة و العشرون يشكلون جزءا من  مجموعة واسعة من البلدان المتفاوضة بشأن ميثاق المنظمة الدولية للتجارة.

وقد نصت إحدى مقتضيات الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية و التجارة ( الكات) على وجوب أن تقبل هذه الدول بعض القواعد التي يتضمنها المشروع و العمل بها فورا و بصفة مؤقتة لحماية الالتزامات الجمركية التي تم التفاوض بشأنها. وقد حدد هؤلاء المشاركون الطريقة التي ستكون  عليها العلاقات بين الكات و المنظمة الدولية للتجارة، غير أنهم وضعوا أيضا احتمالا بعدم إمكانية إنشاء هذه المنظمة، وكانوا على صواب.

انطلق مؤتمر هافانا في 21 نونبر1947 بأقل من شهر بعد التوقيع على الكات، و تم قبول ميثاق المنظمة الدولية للتجارة بصفة نهائية في هافانا في مارس 1948، غير أن المصادقة عليها من طرف البرلمانات الوطنية كانت مستحيلة في بعض الدول. وكانت المعارضة الأساسية من الكونغرس الأمريكي في الوقت التي ناضلت فيه الحكومة الأمريكية بنشاط لصالح هذه المنظمة.وفي 1950 أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على أنها لن  تطلب من الكونغرس التصديق على ميثاق هافانا، فسحب الرئيس ترومان مشروع التصديق من أمام الكونجرس في بداية الحرب الكورية 1950 وهو ما يعني في الممارسة الإعلان عن وفاة المنظمة الدولية للتجارة، وبالتالي ظل الضلع الثالث للنظام الاقتصادي الدولي غائباً.[4]

فأصبحت الكات من 1948 إلى غاية إنشاء المنظمة العامية للتجارةOMC)) في 1995 الأداة الوحيدة المتعددة الأطراف المنظمة للتجارة الدولية. وبذلك جسدت  الكات الهدف الذي لم يتم تحقيقه في 1948 عن طريق إنشاء منظمة دولية للتجارة (OIC).وطوال 47 سنة كان النظام التجاري منظم من طرف  الكات ( الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية و التجارة)التي نجحت من محاولة لإجهاض المنظمة الدولية للتجارة.

الفقرة الثانية: أهداف الكات

إن المجال الذي تعمل فيه الكات هو التجارة الدولية، ولذلك فإن أهدافها توجد في هذا المجال.
الهدف الرئيسي للكات هو تكوين نظام تجارة دولية حرة. وهذا الهدف يفسر السبب الذي من أجله احتضنت الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة الكتلة الرأسمالية هذه الاتفاقية وتابعتها بالتطوير والدعم المستمرين، وهذا السبب نفسه هو الذي يفسر تزعم الولايات المتحدة لتطوير اتفاقية الكات إلى منظمة التجارة العالمية.

لأجل أن تحقق الكات أهدافها في تكوين نظام تجارة دولية حرة فإنها تبنت المبادئ التالية:
أ- إتباع مبدأ عدم التمييز في المعاملة بين دولة وأخرى في التجارة الدولية من الدول المنظمة للاتفاقية، ويخضع التعامل بين هذه المجموعة من الدول لقاعدة معاملة الدولة الأولى بالرعاية.

ب- العمل على منع القيود الكمية في التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في الاتفاقية وهذه السياسة يتم تحقيقها إلى أقصى قدر ممكن.

ج- تحل الخلافات حول التجارة الدولية بين الدول الأعضاء عن طريق التشاور.

الفرع الثاني: تطور الكات و انتهاؤها

الفقرة الأولى: تطور الكات

خلال حوالي نصف قرن، بقيت المبادئ القانونية الأساسية للكات كما كانت في 1948، و كانت هناك إضافات تحت شكل فقرات بخصوص التنمية أضيفت في الستينات و اتفاقيات متعددة الأطراف في السبعينات، وتوبعت المجهودات للاستمرار في تقليص الرسوم الجمركية، وترجع النتائج المحصل عليها في هذا الصدد إلى سلسلة من المفاوضات التي أطلق عليها  اسم “جولات ” بدأت بجولة كينيدي لتنتهي بجولة الأورغواي:

1-جولة كنيدي (1964-1967)
تمخض عن جولة كنيدي اتفاق الكات لمكافحة الإغراق. لكنها فشلت في الاتفاق على القضايا الزراعية في أول محاولة للتفاوض على التدابير غير الجمركية، كما رفضت الاتفاقات الأخرى غير الجمركية في الولايات المتحدة. كذلك فشلت الاتفاقات حول مكافحة الإغراق والتقييم الجمركي، لأن قانون عام 1962 الخاص بالتوسع في التجارة لم يرد فيه ما يتعلق بالإجراءات غير الجمركية، ورفض الكونغرس الأميركي إقرار تشريع للاتفاقات.

2- جولة طوكيو (1973-1979)
تعتبر جولة طوكيو محاولة جادة لتوسيع وتحسين نظام الكات، فقد صاغت أول مجموعة مبادئ غير جمركية لإدارة تقديم الدعم والرسوم التعويضية والمشتريات الحكومية والتقييم الجمركي وتراخيص الاستيراد ورسوم مكافحة الإغراق والطيران المدني ومنتجات الألبان واللحوم.

3- جولة الأورغواي (1986-1994):
تعتبر أهم الجولات وأكثرها طموحا إذ دشنت ولأول مرة التفاوض حول السلع الزراعية، وأدخلت قطاع الخدمات، وتحرير انتقال رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى، وحماية الملكية الفكرية، كما أنها اختلفت عن سابقاتها في أن النتائج يجب قبولها ككل أو رفضها ككل ولا مجال للقبول الجزئي فيها. وبعد مفاوضات دامت سبع سنوات وقع ممثلو 117 دولة في مدينة مراكش وبالتحديد في 15/04/1994 اتفاقا عالميا للتجارة أصبح يعرف باتفاق مراكش، كما تم الإعلان عن إنشاء المنظمة العالمية للتجارة التي بدأت أعمالها في 01/12/1995 لتحل محل اتفاقية الكات التي عملت مراقبا مؤقتا للتجارة العالمية منذ 1947 وبذلك انتهت الكات.فلماذا؟

الفقرة الثانية: انتهاء الكات

لقد كانت الكات جهازا مؤقتا ،غير أنه دام حوالي نصف قرن ، فمن 1948 إلى 1994 شكلت الكات( الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية و التجارة) القواعد المنظمة لجزء كبير من التجارة الدولية، وخلال هذه الفترات سجلت التجارة الدولية أحد النسب الأكثر ارتفاعا، وكانت تبدو الكات مثبتة بقوة، غير أنه خلال هذه 47 سنة لم تكن إلا منظمة مؤقتة و نظاما مؤقتا.

ورغم طابعها المؤقت و مجال عملها المحدود، فقد نجحت الكات خلال 47 سنة في تشجيع وضمان تحرير جزء كبير من التجارة الدولية، فقد ساهم التخفيض المستمر للرسوم الجمركية وحده في تطور كبير للمبادلات العالمية( حوالي 8% من المعدل السنوي خلال الخمسينيات و الستينيات).

وقد ساهمت الكات في إنشاء نظام تجاري متعدد الأطراف  تعزز من خلال سلسلة من المفاوضات التجارية.

غير أنه لم يكن كل شيء كاملا، فمع الوقت طرحت مشاكل جديدة ، و قد كانت جولة طوكيو المحاولة الأولى لحل هذه المشاكل، غير أنها لم تسمح إلا بالحصول على نتائج محدودة. و هي علامة معلنة للصعوبات.

فلقد دفع التخفيض المهم للرسوم الجمركية الذي تم الحصول عليه في إطار الكات و الذي اقترن بركود اقتصادي في السبعينيات و بداية الثمانينيات ، الحكومات إلى وضع أشكال حمائية أخرى بالنسبة للقطاعات المعرضة للمنافسة الأجنبية الحادة. وقد دفعت نسبة البطالة المرتفعة و الإغلاق المتتالي للمصانع في أوروبا الغربية و أمريكا الشمالية الحكومات إلى إجراء مفاوضات بشأن اتفاقيات ثنائية لاقتسام الأسواق مع المنافسين، و الدخول في سباق نحو تقديم الدعم و المساعدات للحفاظ على مكانتها في سوق المنتوجات الفلاحية، وهو ما أدى إلى فقدان الكات لمصداقيتها و فعاليتها.

ولم يكن المشكل ينحصر في تدهور المناخ السياسي التجاري، ففي بداية الثمانينيات  ظهر بجلاء أن قواعد الكات غير كافية.ففي المجال الفلاحي مثلا تم استغلال ثغرات النظام المتعدد الأطراف و لم تؤد جهود التحرير إلا إلى نتائج ضعيفة. وفي قطاع النسيج و الألبسة تم التفاوض بشأن استثناء لقواعد الكات في الستينيات و بداية السبعينيات للوصول إلى تسوية… كما كانت البنية المؤسسية للكات و نظامها المتعلق بحل الخلافات مصدر قلق كبير.

وقد جعلت كل هذه العوامل المقترنة بعوامل أخرى أعضاء الكات يقتنعون بأنه قد أصبح من الضروري القيام بمراجعة عميقة للنظام وبذل جهد جديد لتدعيم و توسيع النظام المتعدد الأطراف.و قد تجسد هذا المجهود بواسطة جولة الأوروغواي، وإعلان مراكش و إنشاء المنظمة العالمية للتجارة.

عوضت المنظمة العالمية للتجارة الكات باعتبارها منظمة دولية، غير أن الكات بقيت كمعاهدة إطار بالنسبة للمنظمة العالمية للتجارة فيما يخص تجارة البضائع، كما تم تحيينها بعد مفاوضات جولة الأوروغواي.

المطلب الثاني:المنظمة العالمية للتجارة

أنشئت في1995 بموجب اتفاقيات مراكش التي أنهت جولات الأوروغواي ، جاءت  منظمة التجارة العالمية متأخرة لتكملة الهندسة الاقتصادية للأمم المتحدة التي وضعها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وهي واحدة من أصغر المنظمات العالمية عمراً حيث أن منظمة التجارة العالمية هي خليفة الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)والتي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك،فهي تشكل أداة أساسية لتنظيم التجارة الدولية.

شهدت اتفاقية الكات منذ عام 1947 عددًا من التطورات التي آلت في النهاية لإنشاء ما يُسمى بمنظمة التجارة العالمية بدءًا من مفاوضات جنيف عام 1947 وانتهاء بجولة أورجواي الأخيرة 15 أبريل1994 والتي تم الاتفاق فيها على إنشاء المنظمة العالمية للتجارة حيث أكدت ذلك الوثيقة الختامية للجولة، والتي ورد في مادتها الأولى أن ممثلي الحكومات والجماعات الأعضاء في لجنة المفاوضات اتفقوا على إنشاء “منظمة التجارة الدولية”. وقد حددت الوثيقة: نطاق عمل المنظمة، ومهامها، وهيكلها التنظيمي، وعلاقاتها بالمنظمات الأخرى، وطرق اكتساب العضوية. فما هي  أجهزتها المسيرة ؟ وما هي شروط العضوية فيها ؟

الفرع الأول: الهيكلية

تتميز الهيكلة التنظيمية للمنظمة العالمية للتجارة بتعدد الأجهزة وتنوع اختصاصاتها، وكان غرض واضعي اتفاقية مراكش من هذه الهيكلية تحقيق السرعة و الفعالية في اتخاذ القرارات.  و تتضمن هذه الهيكلة، أجهزة عامة تشمل اختصاصاتها جميع الاتفاقيات، وأجهزة متخصصة تتكفل بتنظيم مجال معين من مجالات التجارة الدولية.

الفقرة الأولى: الأجهزة العامة

وهي تلك الأجهزة التي نصت عليها اتفاقية مراكش و تشمل المؤتمر الوزاري ،المجلس العام، الأمانة، وجهاز تسوية المنازعات، وآلية مراجعة سياسات التجارة.

أ-المؤتمر الوزاري:
يتألف المؤتمر الوزاري من وزراء التجارة للدول الأعضاء بالمنظمة العالمية للتجارة ويعتبر رأس السلطة في المنظمة. ويجتمع المؤتمر الوزاري مرة كل عامين على الأقل.

وتتعدد مسئوليات هذا المؤتمر الوزاري على النحو التالي:

• إنشاء اللجان الفرعية والداخلية: ينشئ المؤتمر الوزاري لجنة للتجارة والتنمية، ولجنة لقيود ميزان المدفوعات، ولجنة للميزانية والمالية والإدارة، تقوم بالمهام الموكلة إليها بموجب اتفاقيات التجارة المتعددة الأطراف، وبأي مهام إضافية يعهد بها المجلس العام، وله أن ينشئ أي لجان إضافية لأداء ما يراه مناسبًا من مهام.

•  تعيين مدير عام المنظمة وتحديد صلاحياته: يعين المؤتمر الوزاري المدير العام، ويعتمد الأنظمة التي تحدد سلطات المدير العام وواجباته وشروط خدمته وفترة شغل المنصب.

• تفسير الاتفاقيات الخاصة بالمنظمة: يكون للمؤتمر الوزاري والمجلس العام دون غيرهما سلطة اعتماد تفسيرات الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف. ويمارسان سلطتهما في حالة تفسير اتفاق تجاري متعدد الأطراف بشأن التجارة في السلع، على أساس توصية من المجلس المشرف على سير الاتفاق المذكور، ويتخذ القرار باعتماد تفسير من التفسيرات بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء،

• إعفاء الأعضاء من بعض الالتزامات: يجوز للمؤتمر الوزاري في ظروف استثنائية أن يقرر إعفاء أحد الأعضاء من التزام مفروض عليه بموجب أي اتفاق من الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف، شرط أن يكون هذا القرار قد اتُّخذ بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء.

ويمر طلب الإعفاء بالخطوات الآتية:

– يعرض طلب الإعفاء لنظر المؤتمر الوزاري وفقًا لممارسة اتخاذ القرار بتوافق الآراء. ويحدد المؤتمر الوزاري فترة زمنية لا تجاوز تسعين يومًا للنظر في الطلب. وإذا لم يتم التوصل إلى توافق الآراء خلال الفترة الزمنية المحددة يتخذ قرار منح الإعفاء بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء.

– يقدم طلب الإعفاء في أول الأمر إلى مجلس شؤون التجارة في السلع، أومجلس شؤون التجارة في الخدمات، أو مجلس شؤون الجوانب التجارية المتصلة بحقوق الملكية الفكرية على التوالي؛ للنظر فيه خلال فترة زمنية لا تجاوز 90 يومًا. وفي نهاية الفترة الزمنية يرفع المجلس المختص تقريرًا بالأمر إلى المؤتمر الوزاري.

- يوضح القرار الصادر من المؤتمر الوزاري بمنح الإعفاء الظروف الاستثنائية التي تبرر هذا القرار والحدود والشروط التي تحكم تطبيق الإعفاء، وتاريخ انتهاء الإعفاء، ويعيد المؤتمر الوزاري النظر في أي إعفاء ممنوح لأكثر من عام سنويًا إلى أن ينتهي الإعفاء، وفى كل إعادة نظر يبحث المؤتمر الوزاري ما إذا كانت الظروف الاستثنائية التي بررت الإعفاء لا زالت قائمة، وما إذا كانت القواعد والشروط التي اقترن بها الإعفاء قد احترمت، ويجوز للمؤتمر الوزاري استنادا إلى إعادة النظر السنوية أن يمد فترة الإعفاء أو أن يعدله أو أن ينهيه.

• قبول طلبات الأعضاء بتعديل بعض بنود الاتفاقات: لكل عضو في المنظمة أن يتقدم إلى المؤتمر الوزاري باقتراح لتعديل أحكام الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف في الملحقين 2 و3 (الملحق 2 يخص الاتفاقات متعددة الأطراف بشأن التجارة في السلع، والملحق 3 يخص وثيقة تفاهم بشأن القواعد والإجراءات التي تحكم تسوية المنازعات). ويتخذ القرار بالموافقة على التعديلات بتوافق الآراء، ويعمل بهذه التعديلات بالنسبة لجميع الأعضاء بعد موافقة المؤتمر الوزاري عليها.

• الموافقة على إضافة اتفاقيات تجارية أخرى: للمؤتمر الوزاري بناء على طلب الأعضاء الأطراف في أي اتفاق تجاري أن يقرر بتوافق الآراء فقط إضافة اتفاقيات أخرى إلى الملحق 4 (الخاص بالاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف في مجال الطائرات المدنية، والمشتريات الحكومية، ومنتجات الألبان، ولحوم الأبقار).

•  اعتماد عضوية الأعضاء الجدد: يتخذ المؤتمر الوزاري قرارات الانضمام، ويوافق على شروط اتفاق الانضمام بأغلبية ثلثيْ أعضاء المنظمة.

• الموافقة على استثناء بعض الأعضاء من تطبيق اتفاقات تجارية متعددة الأطراف: للمؤتمر الوزاري أن يوافق على عدم تطبيق الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف بين أعضاء معينين في حالات خاصة، بناء على طلب أي عضو وتقديم ما يراه من توصيات بشأنها.( المادة 13).

ب-المجلس العام:
يأتي المجلس العام في المرتبة التالية ويضم ممثلين عن الدول الأعضاء في المنظمة، ويقوم بمهام المؤتمر الوزاري في الفترات التي تفصل بين اجتماعاته ، و بالتالي فالمجلس العام له صفة الاستمرارية لأنه قابل للانعقاد في أي وقت ومن أهم اختصاصاته:

- اختصاص إداري، ويتمثل في اعتماد المجلس للأنظمة المالية و تقديرات الميزانية السنوية.

- اختصاص رقابي،حيث له صلاحية القيام بمسؤوليات جهاز مراجعة السياسات التجارية متى يكون ذلك مناسبا.

- اختصاص قضائي، حيث يمكن للمجلس أيضا القيام بمسؤوليات جهاز تسوية المنازعات متى يكون ذلك مناسبا.

كما يقوم المجلس بالإشراف العام على المجالس النوعية كمجلس التجارة في السلع، مجلس التجارة في الخدمات، ومجلس حقوق الملكية الفكرية و الإطلاع على أنشطة مختلف الأجهزة ، كما ينفرد المجلس بصلاحية إقامة التعاون مع كل المنظمات الدولية من أجل تحقيق التناسق في وضع السياسة الاقتصادية العالمية.

ج- الأمانة العامة:

ينشؤها  المؤتمر الوزاري  و يقوم بتعيين مدير عام  يرأسها ، كما يقوم هذا الأخير بتعيين موظفي الأمانة وفقا للقواعد التي يعتمدها المؤتمر الوزاري، و تقوم الأمانة العامة بالمهام الإدارية المتمثلة في الشؤون المالية و مسائل الميزانية، و الأهم من ذلك مساعدة الأعضاء في تسوية المنازعات و مساعدة فرق التحكيم في الجوانب القانونية و الإجرائية للأمور المعروضة.

د-جهاز تسوية النزاعات:

كانت الأحكام التي تضمنتها الكات 1947 بخصوص حل النزاعات التجارية الدولية تتسم بالقصور وعدم الفعالية بسبب غياب الهيئة المؤسسة المكلفة بالإشراف على تنفيذها، كما أنها لم تكن ملزمة بشكل كاف.فقبل ظهور المنظمة العالمية للتجارة سادت الفوضى في العلاقات التجارية الدولية حيث كانت الدول تتبادل العقوبات التجارية فيما بينها وفقا للقوانين التجارية المحلية لكل منها. لذلك جاء نظام المنازعات في المنظمة العالمية للتجارة ليمثل عنصرا أساسيا لصيانة حقوق الأعضاء،فالمنظمة تسعى للبحث عن إمكانيات الحلول الودية قبل عرض النزاع على جهاز حل الخلافات بغية إيجاد بيئة تسودها الثقة بالنظام التجاري المتعدد الأطراف(أنظر لاحقا جزاءات عدم احترام القواعد التجارية الدولية).

ه-آلية استعراض السياسة التجارية:

يعتبر هذا الجهاز من الأجهزة المستحدثة،فقد كانت اجتماعات الدول الأعضاء في الكات تمثل نوعا من الاستعراض العام للسياسة التجارية،إلا أنه لم يكن هناك إطار تنظيمي محدد يحكم تلك الاجتماعات ويحدد الهدف منها و أسلوب عملها،لذلك نص الملحق 3 لاتفاقية مراكش على إنشاء آلية استعراض السياسة التجارية، والهدف من إنشائها هو القيام بتقويم شامل للعلاقة بين السياسات و الممارسات من جهة، و العلاقة بين السياسات و النظام التجاري الدولي من جهة أخرى. ولتحقيق ذلك ، فقد أسندت هذه المهمة للمجلس العام للمنظمة الذي يضطلع بمسؤوليات جهاز مراجعة السياسة التجارية متى كان ذلك مناسبا.

و للجهاز الحق في تعيين رئيس له وفي وضع إجراءاته حسب ما تقتضيه الضرورة.

الفقرة الثانية: الأجهزة المتخصصة

من أجل تحقيق مبدأ التخصص وضعت اتفاقية مراكش نوعين من الأجهزة المتخصصة: يتمثل النوع الأول في المجالس التي تختص  بقطاع من القطاعات ، أما النوع الثاني فيتمثل في اللجان المختصة بمسائل محددة وردت في اتفاقية مراكش.

أ- المجالس:

وضعت عدة مبادئ تحكم هذه المجالس، فبالنسبة للعضوية فهي مفتوحة لممثلي جميع الدول الأعضاء، وذلك احتراما للمساواة القانونية بين الدول التي تعمل المنظمة على تحقيقها.وتعمل تحت إشراف المجلس العام، وتنعقد اجتماعاتها حسب الضرورة للقيام بمهامها، أما فيما يخص نطاق الاختصاص،فإن كل مجلس يشرف على الاتفاقية التي تدخل في نطاق اختصاصه ، فمجلس السلع يختص بالإشراف على سير الاتفاقية في مجال السلع، ومجلس الخدمات يختص بسير الاتفاقية في مجال الخدمات، ومجلس الملكية الفكرية يختص بالإشراف على سير الاتفاقية في مجال حقوق الملكية الفكرية. هذا بالإضافة للمهام التي قد يكلفه بها المجلس العام.

ب – اللجان:

وهي نوعان: الأول بينته اتفاقية مراكش و الثاني بينته اتفاقية تجارة السلع.بالنسبة للنوع الأول ، فقد جاء في اتفاقية مراكش أنه يحق للمؤتمر الوزاري للمنظمة إنشاء لجان محددة أو أية لجان أخرى تكون عضويتها مفتوحة لممثلي جميع الدول، ومن بين هذه اللجان لجنة التجارة و التنمية، لجنة ميزان المدفوعات ، لجنة الميزانية و المالية، وتقوم هذه اللجان بالمهام الموكولة إليها،بالإضافة إلى المهام التي قد يكلفها به المجلس العام[5].

أما فيما يخص النوع الثاني ، فأهمها: اللجنة المعنية بالقيود الفنية على التجارة، لجنة إجراءات الاستثمار المتعلقة بالتجارة، لجنة الزراعة ، لجنة قواعد المنشأ، لجنة الدعم و الإجراءات التعويضية و لجنة مراقبة المنسوجات.

الفرع الثاني: شروط العضوية في منظمة التجارة العالمية

تشترط المنظمة الدولية عدة شروط على الدول الراغبة في الانضمام إليها، كما توجد بعض الإجراءات الواجب إتباعها للانضمام إلى المنظمة وفيما يلي سرد لأهم الشروط والإجراءات:

الفقرة الأولى: شروط الانضمام لمنظمة التجارة العالمية
1- تقديم تنازلات للرسوم الجمركية:
تشترط منظمة التجارة العالمية على الدولة الراغبة في الانضمام إليها تقديم جدول للتنازلات  بشأن التخفيضات التي ستدخلها على الرسوم الجمركية تشكل التزامات لا يمكن رفعها من حيث المبدأ إلا في حالات خاصة[6].

2- تقديم التزامات في الخدمات:
تقدم الدولة جدولا بالالتزامات التي ستتبعها في قطاع الخدمات يشتمل على قائمة بالحواجز التي تعترض القطاعات والنشاطات المهنية الخدماتية ووضع جدول زمني لإزالتها.

3-الالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية:
تتعهد الدولة الراغبة في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بالتوقيع على بروتوكول انضمام يشمل الموافقة على تطبيق والالتزام بجميع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية (ما عدا اتفاقية المناقصات الحكومية واتفاقية الطائرات المدنية فإنهما من الاتفاقيات الاختيارية)، أي عليها أن توافق على اتفاقيات جولة أورغواي. أي أنه لا سبيل أمام الدولة للاختيار بين الاتفاقيات بعكس ما كان سائدا أيام الكات وخاصة بعد جولة طوكيو حيث لم توقع معظم الدول النامية على نتائجها التي تمثلت باتفاقيات خاصة.

الفقرة الثانية: إجراءات التقديم والقبول
يتم قبول دولة ما في عضوية المنظمة باعتماد إحدى الطريقتين الآتيتين أو كلتيهما:

1- الطريقة الأولى: تتلقى الدولة المعنية من لجنة مخصصة للنظر في طلبات العضوية الجديدة  قائمة بالسلع والخدمات التي ستشهد تخفيضا في رسومها الجمركية . و تكون هذه اللجنة مكونة في الغالب من الدول الصناعية الكبرى، إضافة إلى أهم الدول ذات العلاقات التجارية مع الدولة الراغبة في اكتساب عضوية المنظمة.

2- الطريقة الثانية: تتقدم الدولة الراغبة في العضوية بنفسها بقائمة تشمل تخفيضات في الرسوم الجمركية تكون أساسا للتفاوض.

وفي بعض الأحيان تتم الطريقتان معا فتتقدم الدولة المعنية بقائمة لتخفيض الرسوم الجمركية، وفي الوقت نفسه تتلقى قائمة بالتخفيضات المطلوبة من اللجنة المشكلة للنظر في العضوية.
هذا و لا تشترط مبادئ واتفاقيات منظمة التجارة العالمية التطبيع التجاري بين أعضاء المنظمة، وذلك استنادا إلى الاستثناء المذكور في المادة 13 من اتفاقية مراكش لتأسيس منظمة التجارة العالمية (المادة 33 من اتفاقية الكات السابقة)، الذي يسمح لدولة ما بـ “عدم تطبيق” الاتفاقية تجاه دولة أخرى شرط إبلاغها عن ذلك قبل موافقة المؤتمر الوزاري على الانضمام[7].

المبحث الثاني: قواعد التجارة الدولية

المطلب الأول: القواعد المتعلقة بتجارة السلع و الخدمات

سنتحدث في هذا الإطار عن القواعد المتعلقة بتجارة السلع و الخدمات في فرع أول ، ثم نتطرق في فرع ثان لقواعد التجارة الدولية في مجال الخدمات.

الفرع الأول: القواعد المتعلقة بحرية التجارة و بأمن الدول و الشفافية

نميز في هذا الإطار بين القواعد المتعلقة بحرية التجارة و القواعد المتعلقة بأمن الدول الأعضاء و القواعد المتعلقة بالشفافية و بمحاربة الممارسات غير النزيهة.

الفقرة الأولى: القواعد المتعلقة بحرية التجارة

أولا - مبدأ عدم التمييز :

يعتبر مبدأ عدم التمييز ومبدأ حسن النية من المبادئ الأساسية التي تحكم التجارة الدولية و تتفرع عنهما العديد من القواعد.

تبنت المنظمة العلمية للتجارة مبدأ عدم التمييز مع مستلزماته، فلا يجب تمييز أية دولة في العلاقات التجارية الدولية ، وهو ما كان يطرح مشاكل مع مسألة الشرق الأوسط  فيما يخص الدول التي كانت ترغب في وضع بعض الشركات و حتى بعض الدول على اللائحة السوداء ( الدول المدعمة للإرهاب) .و مستلزمات هذا المبدأ هي:

ü المساواة في التعامل بين المنتوجات الأجنبية عند التصدير: مبدأ الدولة الأولى بالرعاية

ينص شرط الدولة الأولى بالرعاية NPF أن كل المزايا التجارية الممنوحة من بلد إلى بلد آخر( حتى ولو لم يكن هذا الأخير عضوا في المنظمة العالمية للتجارة) يجب أن تمنح فوريا إلى مجموع أعضاء المنظمة العالمية للتجارة. وبعبارة أخرى يمكن القول “أن ما يمنح لأحد الأطراف يمنح للجميع دون تمييز . ويشكل شرط الدولة الأولى بالرعاية آلية فعالة مادام أنه يفتح المجال أمام تعميم آني لكل جهود الانفتاح من جانب إحدى الدول.وهو يتميز بخاصيتين اثنتين:

- فهو عام: فهو لا يطبق فقط على الرسوم الجمركية و لكنه يطبق على جميع التدابير الخارجية أو المحلية المعتمدة من إحدى الدول من أجل تنظيم عمليات الاستيراد و التصدير (رسوم ، أنظمة التوزيع…).

-وهو غير مشروط: إذ لا يشكل تطبيقه موضوع مفاوضات بين الدول.

وفي مجال الخدمات، وطبقا لشرط الدولة الأولى بالرعاية  فإن المزايا الممنوحة لدولة من الدول يجب أن تمنح للجميع حسب مبد أعدم التمييز.أي المساواة في المعاملة بالنسبة لكل الشركاء التجاريين. فإذا فتحت دولة ما قطاعا خدماتيا  ما أمام المنافسة الأجنبية، فإنه يجب عليها أن تمنح إمكانيات متساوية في هذا القطاع لمموني الخدمات في جميع الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة.

ومع ذلك يخضع شرط الدولة الأولى بالرعاية لثلاثة استثناءات مهمة :

الاندماج الاقتصادي الجهوي :

تمنح مجموعة من الدول لبعضها البعض بشكل متبادل مزايا تجارية تفضيلية كتخفيض الرسوم الجمركية. وتعتبر هذه المزايا محجوزة للدول الأعضاء في الاتفاق و لا تمنح للدول الأخرى . سواء تعلق الأمر بمنطقة للتبادل الحر كاتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية لذي أنشئ في 1994 و الذي يضم كندا و الولايات المتحدة الأمريكية و المكسيك أو الإتحاد الجمركي كالإتحاد الأوروبي. ويجب على هذه الاتفاقيات أن تحترم بعض الشروط ليتم الاعتراف بصلاحيتها من وجهة نظر مواد المنظمة العالمية للتجارة وأن تخالف شرط الدولة الأولى بالرعاية.

الأفضليات  التجارية الممنوحة للبلدان النامية:

و يتعلق الأمر  بالأنظمة التجارية الجد إيجابية و التي تهدف إلى تشجيع التنمية في هذه البلدان المصدرة. وهو الحال مثلا بالنسبة لاتفاقية لومي التي تضم أوروبا و دول مجموعة إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي و التي تضمن بالخصوص لهذه الأخيرة غياب الرسوم الجمركية على صادراتها الصناعية نحو الإتحاد الأوروبي( و تطبق هذه الرسوم على البلدان غير الأعضاء في الاتفاقية) و يعتبر هذا النظام الاستثنائي لشرط الدولة الأولى بالرعاية نظاما معترفا به من طرف اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة تحت اسم “نظام الأفضليات المعممة ”Système des préférences généralisée”.

الاستثناءات الوطنية في مجال الخدمات:

إذا شرط الدولة الأكثر رعاية يطبق على جميع الخدمات، غير أنه يتم السماح ببعض الاستثناءات الخاصة.ذلك أنه عندما دخلت الاتفاقية  الخاصة بالخدمات حيز التنفيذ كانت بعض الدول قد وقعت مع شركائها التجاريين اتفاقيات تفضيلية حول الخدمات سواء على المستوى الثنائي أم في إطار مجموعات ضيقة ،وقد اعتبر أعضاء المنظمة العالمية للتجارة أنه من الضروري الإبقاء على هذه الأفضليات خلال بعض الوقت، والاستمرار في منح معاملة خاصة لمصلحة هذا البلد أو ذاك و لهذه الخدمة أو تلك بتعداد الاستثناءات الواردة عن شرط الدولة الأكثر رعاية موازاة مع التزاماتهم الأصلية.

و لحماية شرط الدولة الأكثر رعاية فقد تقرر أن الاستثناءات لا يمكن منحها إلا مرة واحدة و أنه لا يمكن إضافة أي شيء للوائح. ويتم مراجعتها دوريا ، و مدتها من الناحية المبدئية محددة في عشر سنوات.

ü المساواة في التعامل بين المنتوجات الأجنبية عند الاستيراد و المنتوجات الوطنية:مبدأ المعاملة الوطنية

ويقتضي هذا المبدأ أن المنتوجات الأجنبية عندما تجتاز الحدود يجب أن تخضع لنفس التدابير التي تخضع لها المنتوجات الوطنية.

فعندما يتم قبول منتوج على تراب دولة عضو، فيجب ألا يتحمل أي تمييز مقارنة مع منتوج مشابه وطني. وبالتالي لا يجب أن يكون هناك أي رسوم خفية أو مقنعة أو تقييدات كمية.

يجب إذن معاملة المنتوجات المستوردة و منتجات التصنيع المحلي بطريقة متساوية بمجرد قبول منتوج أو خدمة أو عنصر لملكية الفكرية في السوق. وبعبارة أخرى، فإن المنتوج المستورد يجب أن يعامل كالمنتوج المحلي من زاوية الرسوم و القوانين الصحية و التقنية… . وكما هو الحال بالنسبة لشرط الدولة الأولى بالرعاية، فإن مبدأ المعاملة الوطنية هو مبدأ عام و غير شرطي[8]. وتجدر الإشارة إلى أنه فيما يخص الخدمات ،فإن هذا المبدأ يطبق إلا في القطاعات التي التزمت فيها الدول الأعضاء  بفتح أسواقها.

فطبقا لمبدأ المعاملة الوطنية يمنع التمييز بين الممونين الذين يجتازون الحدود ( النقل، الاتصالات) وهو يطبق على كل الخدمات كيفما كانت طريقة التموين[9] .

ثانيا- مبدأ حسن النية :

وهو مبدأ أساسي لكل علاقة تعاقدية . ويشكل متطلب حسن النية ضمنيا أساس بعض القواعد الأكثر أهمية في المنظمة العالمية للتجارة. وهي كالآتي: تثبيت الالتزامات بشأن فتح السوق و الحماية بواسطة الرسوم الجمركية فقط.

أولا: تثبيت الالتزامات بشأن فتح السوق

بالنسبة لتجارة السلع و الخدمات ، فإن عروض انفتاح السوق ( تقليص الرسوم الجمركية ، تفكيك الحصص، الترخيص  لتأسيس الأنشطة الخدماتية…) المقدمة بصفة فردية من طرف الدول المفاوضة في المنظمة العالمية للتجارة يتم تسجيلها بصفة حازمة و نهائية بمجرد قبولها من طرف  بقية المشاركين ، ويتم إدماج هذه العروض في قانون المنظمة العالمية للتجارة و تكتسب القوة القانونية للمعاهدات الدولية. و تسمى هذه العملية “بالتثبيت” لتسجيل العبور من نظام عرض التفاوض إلى نظام الالتزام المثبت.

ولكن هل يمكن التراجع عن التزام مثبت؟ أولا يمكن  دائما لدولة ما  أن تعدل قواعدها إذا كان التعديل يتم في اتجاه إيجابي للشركاء التجاريين( تخفيض مستوى الحماية)، و يبقى من حقها لاحقا الرجوع إلى المستوى المنصوص عليه في الالتزام المثبت.

وعلى العكس ، إذا كان التعديل يتم في اتجاه سلبي للشركاء التجاريين” رفع مستوى الحماية) ، فإن الدولة المعنية يجب أن تمنح لشركائها و أن تتفاوض معهم  بشأن تعويضات تجارية مماثلة من حيث الأهمية للالتزامات المثبتة التي تم التراجع عنها( مثلا تخفيض الرسوم الجمركية عن منتوج آخر )

وكما هو الحال بالنسبة للرسوم الجمركية المثبتة بالنسبة لتجارة البضائع، تعتبر هذه الالتزامات “مثبتة ” في إطار الخدمات أيضا إذ لا يمكن تعديلها إلا بعد مفاوضات مع البلدان المعنية، وهو ما يشكل ضمانة للمصدرين الأجانب ومستوردي الخدمات والمستثمرين في هذا القطاع.

وفي نهاية الأمر، فإن مفهوم التثبيت يعكس القانون الكلاسيكي للعقود ومبدأ حسن النية و الذي حسبه لا يمكن تعديل الالتزامات بصفة انفرادية دون دفع تعويضات.

ثانيا: الحماية بواسطة الرسوم الجمركية فقط

حسب مبدأ أسس من طرف الكات منذ إنشائها ، فإن تنظيم تجارة البضائع يجب أن تؤسس أولا على اللجوء إلى أداة الرسم الجمركي الذي يعتبر الأكثر شفافية و سهل البلوغ من طرف المقاولات . فالكات كانت تمنع إذن تحت تحفظ بعض الاستثناءات العامة و العديد من الاستثناءات القطاعية استعمال تدابير أخرى غير الرسوم الجمركية خاصة القيود الكمية  لضمان حماية السوق الوطنية.

و بعبارة أخرى، إذا كان بلد ما يريد حماية سوقه الداخلي ضد استيراد منتوج محدد ، فإنه يجب عليه  أن يحدد رسم جمركي مرتفع أحسن من أن يحدد من الكميات المرخص بإستيراها (مثلا 85% رسوم جمركية أحسن من تحديد حصص ب 50000 طن سنويا). وقد شكل تحويل مختلف آليات حماية السوق إلى رسوم في القطاع الفلاحي أحد النتائج المهمة  لجولة الأوروغواي  ولا يزال يشكل الرهان الأساسي.

فيما يخص قطاع النسيج  و الملابس لم يكن هذا الأخير حتى جولة الأوروغواي يخضع لأحكام “الجات”، فمن 1974 إلى نهاية جولة الأوروغواي أي 1994 كانت  تجارة المنسوجات و الملابس  منظمة بموجب اتفاقية خاصة عرفت باسم “اتفاقية الألـيـاف المتعددة MFA ” ” Multi   Fiber Agreement “، و هو الإطار الذي كان يتم فيه تحديد الحصص بواسطة اتفاقيات ثنائية أو تدابير انفرادية للحد من الواردات في الدول التي يمكن فيها لفروع الإنتاج الوطني أن تضرر بشكل كبير من توسع سريع للواردات. فعلى ضوء هذه الاتفاقية كان يتم تحديد حصص تصدير لكل دولة مصدرة و حصص استيراد لكل دولة مستوردة، و لا يجوز تجاوز هذه الحصص.

لقد كان نظام الحصص هذا يناقض القاعدة العامة للكات التي كانت تفضل الرسوم الجمركية عن تدابير القيود الكمية،  كما كان يشكل استثناء من مبدأ الكات المتعلق بمبدأ المساواة في المعاملة بين كل الشركاء التجاريين لأنه يحدد الكمية التي يعتبر البلد المستورد جاهزا لقبولها من جانب هذا البلد المصدر أو ذاك.

بالإضافة إلى ذلك ، فقد مثلت هذه الاتفاقية صورة من صور التمييز من قبل الدول الصناعية المتقدمة ضد صادرات البلدان النامية من النسيج و الملابس التي تمتلك الميزة النسبية لإنتاجها بدرجة معقولة، كما كان هذا النظام يمثل قيدا كميا صارما على قدرات البلدان النامية في التوسع في صناعاتها، و بالتالي صادراتها من المنسوجات و الملابس.

لقد كانت الدول الصناعية قبل جولة أوروغواي تفرض قيوداً كمية على وارداتها من المنسوجات والملابس الجاهزة بموجب هذا الاتفاق، وكانت الحكمة هي حماية منتجيها من منافسة سلع البلدان النامية. أضر الاتفاق بمصالح هذه البلدان بما فيها العربية. كما قاد إلى استياء المستهلكين أصحاب الدخول الضعيفة في الدول الصناعية بسبب ارتفاع أسعار الملابس والمنسوجات. لذلك قررت هذه الدول في جولة أوروغواي التنازل عن اتفاق الألياف فحل محله الاتفاق متعدد الأطراف حول المنسوجات والملابس. لكن الاتفاق الجديد لم يحرر كليا وفورا تجارة هذه السلع،بل طبق بصفة تدريجية عبر زيادة مستمرة في حصص بعض منتوجات النسيج و الملابس بصورة تصاعدية إلى الدرجة التي تؤدي  إلى إلغائها. غير أن تحرير جزء من واردات المنسوجات والملابس أدى تلقائيا إلى ارتفاع الرسوم الجمركية تحت غطاء مكافحة الإغراق أو ضرورة الإجراءات الوقائية.

أما فيما يخص المنتجات الزراعية فقد كانت تجارة هذه المنتجات تحت ظل الكات تتسم بكثرة القيود الكمية ، وبات من الضروري وفق التنظيم الجديد المنبثق عن جولة أوروغواي إلغاء هذه القيود والاستعاضة عنها برسوم جمركية. وبذلك، أصبحت القاعدة الجديدة في مجال ولوج المنتوجات الفلاحية للأسواق هي “الحماية بواسطة الرسوم الجمركية فقط”. ، فتم تعويض الحصص و التدابير الأخرى غير جمركية بواسطة رسوم جمركية تضمن درجة معادلة من الحماية:فإذا كان أثر التدابير السابقة هو الرفع من الأسعار الداخلية ب 75% بالنظر إلى الأسعار العالمية،فإن الرسوم الجمركية يمكن أن تكون أيضا ب75%.

حسب تقارير منظمة التجارة العالمية فقد  تحولت 30% من تلك القيود إلى رسوم بعد سنة واحدة من إنشاء المنظمة. ويلتزم الأعضاء بتقليص هذه الرسوم تدريجيا خلال ست سنوات بنسبة معدلها 36% في ما يخص الدول الصناعية وعشر سنوات بنسبة معدلها 25% في ما يخص الدول النامية ، أما البلدان الأقل نموا فهي غير مجبرة على تقليص رسومها الجمركية المفروضة على الواردات الزراعية.  وفيما يخص المنتوجات التي تم تحويل القيود غير الجمركية الخاصة بها إلى رسوم جمركية ،تم السماح للحكومات باتخاذ تدابير إستعجالية خاصة لحماية قطاعها الفلاحي من انخفاض مفاجئ للأسعار أو ارتفاع الواردات.

تلتزم الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة بتحويل القيود الكمية (كمنع دخول السلع وأنظمة الحصص والتعقيدات الإدارية المبالغ فيها) التي تراكمت منذ فترة طويلة إلى رسوم جمركية. وعلى هذه الدول أن تضع حدا أعلى للرسوم الجمركية المفروضة على جميع السلع. لا يجوز تجاوز هذا الحد لاحقا إلا في حالات مكافحة الإغراق أو الوقاية التي تخضع لشروط محددة.

الفقرة الثانية: القواعد المتعلقة بأمن الدول الأعضاء و بالشفافية

سنتناول أولا القواعد المتعلقة بأمن الدول الأعضاء، ثم نتطرق للقواعد المتعلقة بالشفافية.

أولا-القواعد المتعلقة بأمن الدول الأعضاء:

ü القواعد المتعلقة بالحد مؤقتا من الواردات لحماية الإنتاج الوطني:

يمكن لعضو في المنظمة العالمية للتجارة الحد مؤقتا من واردات منتوج معين( اتخاذ تدابير حمائية) إذا تسبب ارتفاع الواردات من هذا المنتوج أو من شأنه أن يتسبب في ضرر لأحد فروع الإنتاج الوطني. و يجب أن يتعلق الأمر بضرر كبير.

تحدد الأنظمة كيفية إجراء التحقيقات في مجال الحماية من طرف السلطات الوطنية. ويتم التركيز على الشفافية و احترام القواعد و الممارسات القائمة وعلى ضرورة تجنب المناهج التعسفية.

و يجب على السلطات المكلفة بالتحقيقات إعلام العموم  على أنه سيتم عقد جلسات عمومية، كما يجب عليها توفير وسائل أخرى ملائمة للأطراف لتقديم الأدلة ، خاصة الحجج حول مسألة معرفة ما إذا كان تطبيق التدبير الحمائي هو من أجل المصلحة العامة أم لا.

و يحدد الاتفاق المعايير الواجبة التطبيق لمعرفة ما إذا كان يوجد ضرر كبير أو تهديد بوقوعه، ويشير إلى العوامل الواجب أخذها بعين الاعتبار لتقييم أثر الواردات على فرع من فروع الإنتاج الوطني. ولا يجب تطبيق أي تدبير حمائي إلا إذا كان ضروريا للوقاية أو تعويض ضرر كبير و تسهيل تصحيح  أحد فروع الإنتاج الوطني المتضرر.

عندما تفرض قيود كمية(حصص)، فلا يجب من حيث المبدأ تقليص الكميات المستوردة إلى ما تحت معدل السنوات الثلاثة الأخيرة التي تتوفر بشأنها الإحصائيات ما عدا إذا تم إثبات أن مستوى آخر مختلف يعتبر ضروريا لمنع أو تعويض الضرر الكبير.

مبدئيا، فإن التدابير الحمائية لا يمكن أن تستهدف الواردات الآتية من بلد بعينه، ومع ذلك يشير الاتفاق إلى كيفية توزيع الحصص بين البلدان الممونة بما في ذلك الحالة الاستثنائية التي ترتفع فيها الواردات الآتية من بعض البلدان بطريقة سريعة.

ولا يجب تطبيق أي تدبير حمائي خلال أكثر من أربع سنوات، و يمكن أن تصل هذه المدة إلى ثمان سنوات إذا ما حددت السلطات الوطنية المختصة أن التدبير يعتبر ضروريا، وأن هناك دلائل تشير إلى قيام الفرع الوطني بإصلاحات.

عندما يحد بلد ما من الواردات لحماية المنتجين الوطنيين، يجب من الناحية المبدئية أن يمنح شيئا بالمقابل، إذ ينص الاتفاق على أنه يمكن للبلد أو البلدان المصدرة المطالبة بتعويض عن طريق مشاورات. وإذا لم يتم التوصل إلى أي اتفاق يمكن للبلد المصدر أن يتخذ تدبيرا مماثلا.مثلا، يمكنه الرفع من الرسوم الجمركية المتعلقة بالمنتوجات المصدرة من طرف البلد الذي يطبق التدبير الحمائي.

وفي بعض الظروف أي عندما يكون التدبير الحمائي مطابقا لمقتضيات الاتفاق وتم اتخاذه بعد ارتفاع حجم الواردات الآتية من البلد المصدر، فإن هذا الأخير يجب أن ينتظر ثلاثة سنوات بعد تطبيق التدبير لاتخاذ تدبير  مضاد.

يستفيد المصدرون في البلدان النامية من بعض الحماية ضد التدابير الحمائية، إذ لا يمكن لبلد مستورد أن يطبق تدبيرا حمائيا على المنتوج الآتي من بلد نامي إلا إذا كان هذا الأخير يقدم أكثر من 3% من واردات هذا المنتوج أو إذا كانت البلدان النامية الأعضاء التي تعتبر نسبة وارداتها أقل من 3% تساهم بشكل جماعي بأكثر من 9% من مجموع واردات المنتوج المعني بالأمر.

تراقب لجنة خاصة مدى احترام الأطراف للالتزامات التي أخذتها على عاتقها، ويجب على هؤلاء إبلاغ اللجنة بكل مرحلة من التحقيقات في مجال الحماية،كما يجب إبلاغها بالقرارات المتخذة في هذا المجال،و تدرس اللجنة هذه التبليغات.

ü القواعد الصحية:

يحق لأية دولة منع استيراد بعض المواد لأسباب صحية شريطة أن يستند هذا المنع على معطيات علمية وألا يطبق على سلعة دولة دون أخرى.و المشكل المطروح هنا،هو معرفة ما يجب فعله لضمان تموين المستهلك في بلد ما بالمنتوجات الغذائية التي يمكن استهلاكها بكل أمن و سلامة؟ و في الوقت نفسه ما يجب فعله لمنع استعمال التشريعات الصحية كمبرر لحماية المنتوجات الوطنية؟

و تسمح الاتفاقية للبلدان بإنشاء قواعدها الخاصة، كما تنص أيضا على أن التشريعات يجب أن يكون لها أساس علمي، ولا يجب تطبيق هذه الأخيرة إلا عند ضرورة حماية الصحة و حياة الأشخاص و الحيوانات و الحفاظ على النباتات، ولا يجب أن تؤدي إلى تمييز  تعسفي أو غير مبرر بين البلدان التي توجد فيها شروط مماثلة أو مشابهة.

كما يمكنها أحيانا تطبيق مبدأ الحماية و مقترب ” الأمن قبل كل شيء” لمواجهة عدم اليقين العلمي ، إذ يمكن للدول اتخاذ تدابير تقييدية مؤقتة حتى و إن لم يكن هناك يقين علمي مطلق .وهو ما يشكل تطبيقا لمبدأ التحفظ.غير أن تدابير الحماية هذه يجب أن تكون مؤقتة.

و يأخذ الاتفاق المتعلق بالتدابير الصحية  بعين الاعتبار القواعد التقنية الدولية المنبثقة عن منظمات أخرى: مثلا يتم إعداد القواعد المتعلقة بالمنتوجات الغذائية بشكل أساسي في إطار لجنة تضم المنظمة العالمية للتغذية و الزراعة وخبراء المنظمة العالمية للصحة.كما تتم أيضا استشارة المنظمة العالمية لصحة الحيوان OMS Animal ، كما كان الحال في أزمة أنفلونزا الطيور. والهدف هو تحقيق انسجام القواعد الدولية للصحة و الأمن الغذائي. والمشكل هو مع بعض  المحصولات الزراعية المصدرة من طرف الدول النامية و التي تواجه حسب البعض مشكل تطبيق هذه القواعد. وتقدم المنظمة العالمية للتجارة المساعدة التقنية لتطبيق هذه القواعد.كما أنشأت لجنة دائمة لمتابعة هذا الاتفاق وهي تعمل بالتعاون مع مختلف المرافق التقنية للاتفاق.

ويتم تشجيع البلدان الأعضاء على استعمال القواعد و التوجيهات و التوصيات الدولية الموجودة. و لن تواجه الدول التي تقوم بذلك أي احتمال لمنازعتها قانونيا في إطار خلاف يعرض على أمام المنظمة العالمية للتجارة. ومع ذلك فإنه يمكنها اعتماد قواعد وطنية غير متشددة على أساس تقييم ملائم للمخاطر. لهذا فإن المقترب المتبع يجب أن يكون متماسكا و غير تعسفي.

إذا كان يمكن للدول دائما تطبيق قواعد مختلفة و مناهج مختلفة لمراقبة المنتوجات، فكيف يمكن لدولة أن تتأكد أنها اعتمدت بالنسبة لمنتوجاتها ممارسات مقبولة من وجهة نظر بلد مستورد؟ فإذا استطاعت أن تثبت أن التدابير التي تطبقها بالنسبة لصادراتها تضمن المستوى نفسه من الحماية الصحية المطبق في البلد المستورد، فإن هذا الأخير من المفترض فيه قبول قواعد و مناهج البلد المصدر.

وللحد من الاستعمال الحمائي للقواعد الصحية، فإن المبدأ المحتفظ به هو الشفافية، إذ يجب على كل الدول الأطراف أن تنشر جميع القواعد التقنية المطبقة في هذا المجال. كما تتضمن الاتفاقية مقتضيات تتعلق بالمساطر و المراقبة و التفتيش و المصادقة. و يجب على الحكومات أن تبلغ المنظمة مقدما بالتشريعات الصحية الجديدة أو المعدلة و إقامة نقطة إعلام وطنية، و تكمل الاتفاقية الاتفاقية التي تنظم الحواجز التقنية أمام التجارة.

ثانيا- القواعد المتعلقة بالشفافية:

يهدف الالتزام بالشفافية إلى ضمان ولوج سهل للمعلومات التنظيمية و الإدارية الوطنية التي تؤثر على شروط المبادلات التجارية. وهو يشكل موضوع مبدأ عام في إطار الاتفاق العام حول تجارة السلع والخدمات (AGCS)  و حقوق الملكية الفكرية و العديد من الشروط الخاصة في مختلف اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة. و تعتبر هذه الشروط جد مهمة في الاتفاق الذي يعالج اللوائح التقنية و اتفاق تسهيل المبادلات:

ü الاتفاق الذي يعالج اللوائح التقنية:

تلعب القواعد التقنية دورا مهما، غير أنها تختلف من دولة لأخرى.إن وجود كم هائل من هذه القواعد المختلفة يجعل الأمور جد صعبة بالنسبة للمنتجين و المصدرين، إذ يمكن للقواعد أن تصبح حواجز أمام التجارة. ومع ذلك فإن هذه القواعد تبقى ضرورية للعديد من الأسباب انطلاقا من حماية البيئة إلى غاية إعلام المستهلك مرورا بالحماية ضد المخاطر و الأمن الوطني. كما يمكنها أن تسهل المبادلات. و يطرح السؤال الأساسي نفسه مرة أخرى: كيف نجعل هذه القواعد ذات فائدة حقيقية و بدون أن تكون تدابير تعسفية أو مبررا للحماية ؟

يهدف الاتفاق العام حول الحواجز التقنية أمام التجارة(OTC) إلى تجنب أن تنشئ اللوائح و القواعد و مساطر الاختبارات و التصديق حواجز غير ضرورية. ومع ذلك يعترف الاتفاق بحق الدولة في اعتماد القواعد التي تراها ضرورية لحماية صحة و حياة الأشخاص و الحيوانات و الحفاظ على النباتات وحماية البيئة أو الدفاع عن مصالح أخرى للمستهلكين، واعتماد التدابير الضرورية لضمان احترام هذه القواعد. و في جميع الحالات ، فإن اللوائح المعتمدة لا يجب أن يكون لها طابع تمييزيا. كما نص الاتفاق على أن مساطر تقييم مدى تطابق المنتوجات مع القواعد يجب أن تكون منصفة و عادلة .

إن وجود العديد من اللوائح يمكن أن يشكل كابوسا بالنسبة للمصنعين و المصدرين، و الأمور ستكون بسيطة جدا إذا طبقت الحكومات قواعد دولية كما يشجع الاتفاق على ذلك.

ومن أجل الهدف نفسه، يشجع الاتفاق البلدان على الاعتراف بشكل متبادل بمساطر الاختبارات المستعملة لتقييم مدى تطابقية منتوج ما. و في حالة غياب مثل هذا الاعتراف يجب القيام بالاختبار مرتين: أولا في البلد المصدر ثم من طرف البلد المستورد.

إن المصنعون و المصدرون هم في حاجة لمعرفة القواعد الجاري بها العمل في الأسواق التي يريدون دخولها. و لكي تكون هذه المعلومات متوفرة بسهولة يجب على كل الحكومات الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة إنشاء نقاط وطنية للإعلام( كل سنة يتم تبليغ المنظمة بحوالي 900 قانون جديد معدل ). وأن تنشر كل القوانين و اللوائح حتى يمكن للشركات و الحكومات الاستعلام حول  القوانين واللوائح المنظمة لهذا القطاع أو ذاك من قطاعات التجارة الدولية، كما يجب على الحكومات أن تبلغ المنظمة العالمية للتجارة بكل تغيير للقوانين واللوائح الجاري بها العمل .

و تعتبر لجنة الحواجز التقنية أمام التجارة بالنسبة للأعضاء المركز الرئيسي لتبادل المعلومات و المكان الذي يتناقشون فيه  انشغالاتهم المتعلقة بالقوانين و تطبيقها.

ü اتفاق تسهيل المبادلات:

توجد في المنظمة العامية للتجارة أربع اتفاقات أساسية تعالج مسألة تسهيل المبادلات: الاتفاق حول رخص الاستيراد و الاتفاق حول التقييم الجمركي  و الاتفاق حول المراقبة قبل الإرسال وقواعد المنشأ.

نظام رخص الاستيراد:

تخضع أنظمة رخص الاستيراد لقواعد المنظمة العالمية للتجارة، إذ ينص الاتفاق المتعلق بمساطر رخص الاستيراد على أن هذه الأنظمة يجب أن تكون بسيطة و شفافة، و على أنه يجب على الحكومات أن تنشر المعلومات الكافية حتى يعرف المفاوضون كيف و لأي أسباب تسلم هذه الرخص، و تبليغ المنظمة العالمية للتجارة بالمساطر الجديدة أو التعديلات التي تم إدخالها على المساطر الموجودة.

كما يتضمن أيضا تحديدات بشأن الطريقة التي يجب بها على الحكومات معالجة طلبات الحصول على الرخص. فبعض الرخص تسلم أوتوماتيكيا بمجرد توفر الشروط، و يحدد الاتفاق المعايير الواجبة التطبيق في هذه الحالة لتجنب أن تحد المساطر المتبعة من حرية التجارة، في حين لا تسلم رخص أخرى أوتوماتيكيا.

و يسعى الاتفاق المتعلق بمساطر الاستيراد إلى تقليص تكلفة شكليات طلبات الحصول على الرخص إلى الحدود الدنيا بالنسبة للمستورد حتى لا تساهم إدارة النظام نفسها في الحد أو تشويه الواردات. ولا يجب أن تتجاوز آجال دراسة الطلبات من طرف الأجهزة المسؤولة عن نظام الرخص ثلاثين يوما أو ستون يوما عندما يتم النظر في جميع الطلبات بشكل متزامن.

وتجدر الإشارة إلى أن أنظمة رخص الاستيراد قد أصبحت اليوم قليلة الاستعمال مقارنة مع الماضي.

التقييم الجمركي للبضائع:

تطرح مسطرة تقييم منتوج ما عند الجمارك بالنسبة للمستورد مشاكل يمكن أن تكون مهمة، ويهدف اتفاق المنظمة العالمية للتجارة المتعلق بالتقييم الجمركي إلى وضع نظام عادل و موحد و محايد لتقييم البضائع لأغراض جمركية ، و أن يكون مطابقا للحقائق التجارية بعيدا عن استعمال قيم تعسفية أو صورية. وهو ينص على مجموعة من القواعد للتقييم وسعت و دققت المقتضيات المنصوص عليها في الكات.

وحسب قرار وزاري أعتمد أثناء جولة الأوروغواي حول هذا الموضوع ، فإنه من حق إدارة الجمارك طلب معلومات إضافية عندما تكون هناك أسباب للشك في حقيقة القيمة المصرح بها للبضائع المستوردة.فإذا كانت هناك شكوك معقولة يمكن بعد الحصول على التبريرات الإضافية اعتبار أن القيمة الجمركية للبضائع المستوردة لا يمكن أن تتحدد على أساس القيمة المصرح بها.

المراقبة قبل الإرسال :

تعتبر المراقبة قبل الإرسال ممارسة تكمن في اللجوء إلى شركات خاصة متخصصة أو كيانات مستقلة لمراقبة السلع المرسلة إلى الخارج خاصة ما يتعلق بالثمن و الكمية و الجودة. و يهدف هذا النظام المستعمل من طرف حكومات الدول النامية إلى حماية المصالح المالية الوطنية و منع هروب رؤوس الأموال و الغش التجاري و عدم أداء الرسوم الجمركية و سد ثغرات البنيات الإدارية.

ويعترف الاتفاق المتعلقة بالمراقبة قبل الإرسال على أن مبادئ والتزامات الكات تطبق على الكيانات التي تقوم بالمراقبة قبل الإرسال المرخص لها من قبل الحكومات .

هذا ويجب أن تعمل الحكومات التي تلجأ إلى هذه الكيانات ( المستعملون) على أن تمارس هذه الأخيرة أنشطتها بطريقة غير تمييزية و شفافة و تحمي المعلومات التجارية السرية ،وإتباع توجيهات خاصة في مجال مراقبة الأسعار و أن تتجنب التأخير غير المعقول و النزاعات المصلحية.

كما يلتزم أيضا الأعضاء المصدرون خاصة تجاه الأعضاء المستعملون بالامتناع عن أي تمييز في تطبيق القوانين و اللوائح الوطنية، ونشر بدون تأخير هذه القوانين و اللوائح و تقديم المساعدة التقنية عندما يتم طلبها.

وينص الاتفاق على مسطرة مستقلة للدراسة. ويتم تدبير هذه المسطرة بالاتفاق مع الفيدرالية الدولية لشركات المراقبة   (IFIA)التي تمثل شركات المراقبة و غرفة التجارة الدولية CCI))، و تهدف إلى حل النزاعات بين المصدرين و شركات المراقبة.

قواعد المنشأ(صنع في… أو صنع ب…):

قواعد المنشأ هي المعايير المطبقة لتحديد المكان الذي صنع فيه المنتوج و المواد المستعملة في صنعه، وهي عنصر أساسي للقواعد التجارية بسب عدد من التدابير التي تؤدي إلى تمييز بين البلدان المصدرة: حصص، رسوم جمركية تفضيلية ، تدابير لمناهضة الإغراق،رسوم تعويضية( يتم تحصيلها لموازنة المساعدات عند التصدير) الخ…. و تستعمل قواعد المنشأ أيضا في إقامة إحصائيات تجارية و صنع العلامات( صنع في… أو صنع ب… ) التي توضع على المنتوجات. وقد عقدت العولمة الأمور و الطريقة التي يتم بها نقل المنتوج إلى العديد من البلدان قبل أن يكون مهيأ لإدخاله إلى السوق.

ويلزم الاتفاق المتعلق بقواعد المنشأ أعضاء المنظمة العالمية للتجارة بالعمل على أن تكون هذه القواعد شفافة و ألا يكون من شأنها تقييد أو توتير التجارة أو الإخلال بها ، وأن يتم تدبيرها بطريقة منسجمة و موحدة و غير متحيزة و معقولة ، وأن ترتكز على معيار إيجابي أي بعبارة أخرى أن تبين ما يقابل فعلا المنشأ و ما لا يقابله. و يهدف الاتفاق على المدى الطويل إلى إنشاء قواعد منشأ مشتركة ( منسجمة) تطبق على جميع أعضاء المنظمة العالمية للتجارة، باستثناء بعض التيارات التبادلية ذات الأفضلية.فمثلا يسمح للدول المنشئة لمنطقة تبادل حر بتطبيق قواعد منشأ مختلفة بالنسبة  للمنتوجات التي تدخل في مبادلاتها التجارية.

ووضع الاتفاق برنامج عمل لتحقيق انسجام يرتكز على مجموعة من المبادئ ، وخاصة العمل على أن تكون قواعد المنشأ موضوعية و مفهومة، و انتهت هذه الأشغال في 1998 غير أنه لم يتم احترام العديد من الآجال، و تقودها حاليا لجنة بالمنظمة العالمية للتجارة تهتم بقواعد المنشأ و لجنة تقنية تحت رعاية المنظمة العالمية للجمارك في بروكسيل. و نتج عنها مجموعة موحدة من قواعد المنشأ الواجبة التطبيق في جميع الظروف و الشروط التجارية غير التفضيلية من طرف جميع أعضاء المنظمة العالمية للتجارة.

ويتضمن ملحق الاتفاق ” إعلان مشترك” يتعلق بقواعد المنشأ المطبقة لتحديد ما إذا كانت البضائع تستفيد من معاملة تفضيلية.

وحسب الاتفاق، فإن هذه الشروط تفرض على الدول إكراهات متنوعة تبتدئ من مجرد الالتزام بنشر تنظيمها الداخلي و أنماط تطبيقها إلى حد تعليل القرارات الإدارية الفردية. و بالإضافة إلى ذلك تفرض بعض الاتفاقات كما هو الحال بالنسبة للاتفاق العام حول تجارة الخدمات و الاتفاق حول الحواجز التقنية أمام التجارة على كل دولة بتعيين مخاطبين إداريين يسمح بالولوج إلى المعلومة(نقاط الاتصال).

الفرع الثاني:القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة

أحرزت الجولات التجارية متعددة الأطراف تقدما كبيرا في تحرير المبادلات العالمية من الرسوم الجمركية والقيود الكمية. لكن هذا التحرير غير كامل لأنه يعاني من ممارسات تؤثر تأثيرا سلبيا على التجارة الدولية. وتعد سياسات مكافحة الإغراق و المساعدات في مقدمة هذه الممارسات.لذلك تم وضع قواعد تحكم مثل هذه الممارسات.

الفقرة الأولى: القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة للمقاولات: الإغراق

يعني الإغراق وضعية تجارية يبدو فيها ثمن بيع منتوج ما عند الاستيراد  منخفضا عن قيمته العادية( يرتكز على العموم على ثمن بيع نفس المنتوج على السوق الداخلي للمصدر).

فالإغراق يسمح إذن بإدخال سلعة معينة منتجة في دولة ما إلى سوق دولة أخرى بسعر أقل من قيمتها العادية. هذا هو نص المادة السادسة من الاتفاق العام للكات الذي اقتبسته اتفاقات أوروغواي.

أولا- شروط مكافحة الإغراق:

حتى تكون سياسة مكافحة الإغراق منسجمة من الناحية القانونية مع التنظيم التجاري العالمي يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط[10]:

الشرط الأول: أن يكون حجم الإغراق الذي يصيب الدولة المستوردة مهما، ويمكن تطبيق العديد من مناهج الحساب المختلفة لمعرفة ما إذا كان الإغراق الذي يشكل منتوج ما موضوعه مهم أم لا. و ينص الاتفاق على الاختيار بين ثلاثة مناهج لحساب القيمة العادية لمنتوج ما . و يرتكز المنهج الأساسي على الثمن المطبق في السوق الداخلي للمصدر ويتم ذلك بمقارنة السعر المحلي للسلعة مع سعرها المخصص للتصدير. يجب أن يكون الثاني أقل من الأول. و إذا كان هذا المنهج غير قابل للتطبيق، يمكن اللجوء إلى حلين آخرين: إما اعتبار الثمن المطبق من طرف المصدر في بلد آخر، و إما المقارنة بين كلفة إنتاج السلعة في البلد المصدر مع سعر بيعها للخارج. يوجد إغراق إذا كانت قيمة كلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع.

الشرط الثاني: على الدولة المستوردة إثبات الضرر الذي تتحمله، ولذلك يجب القيام مقدما بتحقيق معمق طبقا لقواعد خاصة، ويجب أن يشمل تقييما لكل العوامل الاقتصادية التي لها تأثير على وضعية فرع الإنتاج الوطني المعني بالأمر.

فالضرر هو إذن الشرط الأساسي لتحريم الإغراق، ويبرر الإجراءات التجارية ضده. وعلى هذا الأساس ليست هنالك أي حكمة أو فائدة من مكافحته عند عدم وجود الضرر كأن تنتج الدولة المستوردة سلعة مماثلة حاليا أو في المستقبل المنظور.

ثانيا- وضع رسوم لمحاربة الإغراق:

إذا توصل التحقيق إلى أن هناك إغراق و أن فرع الإنتاج الوطني قد تضرر ، فإنه يمكن فرض رسم إضافي على استيراد المنتوج المعني بالأمر و الآتي من البلد المصدر المعني بالأمر بهدف تقريب الثمن من “القيمة العادية” أو إبعاد الضرر الذي لحق الإنتاج الوطني للبلد المستورد.

كما يمكن للمقاولة المصدرة أن تلتزم بالرفع من سعرها لجعله في مستوى متفق عليه لتجنب فرض رسم على الاستيراد لمناهضة الإغراق. و يجب أن لا يكون مبلغ الرسوم الجمركية المفروضة على السلعة محل الإغراق أكبر من الفرق بين سعر استهلاك السلعة في الدولة المصدرة وسعرها في البلد المستورد.

بالإضافة إلى ذلك ،يتعين ألا تكون الرسوم منحازة، إذ لا يجوز فرضها على سلعة دولة دون سلعة مماثلة لدولة أخرى.

هذا، وقد أنشأت مساطر مفصلة فيما يخص القضايا المتعلقة بمناهضة الإغراق و الطريقة التي يجب بها إجراء التحقيقات و التحريات و الشروط الواجب احترامها  لإعطاء كل الأطراف المعنية إمكانية تقديم أدلة. ويجب أن تنتهي تدابير مناهضة الإغراق خمس سنوات بعد تاريخ فرضها ماعدا إذا اثبت التحقيق أن إلغاؤها يؤدي إلى ضرر.

ويجب إنهاء التحقيقات بشأن مناهضة الإغراق فورا إذا أثبت السلطات أن هامش الإغراق لا معنى له ، وينص الاتفاق على أنه يجب على الدول الأعضاء إبلاغ لجنة ممارسات مناهضة الإغراق فورا،و بكل التفاصيل، بجميع تدابير مناهضة الإغراق التمهيدية أو النهائية.كما يجب أن تقدم تقريرا بشأن كل التحقيقات مرتين كل سنة.وفي حالة النزاع يتم حث الأطراف على إجراء مشاورات، كما يمكنهم اللجوء إلى مسطرة حل النزاعات في المنظمة العالمية للتجارة.

تطبق سياسات مكافحة الإغراق في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الصناعية الكبرى، وفق التقرير السنوي الصادر في عام 2001 عن منظمة التجارة العالمية تم إحصاء 1121 إجراء لمكافحة الإغراق في الدول الأعضاء. منها 336 في الولايات المتحدة و193 في بلدان الاتحاد الأوروبي و88 في كندا. في هذه البلدان الصناعية بلغ المعدل العام للرسوم الجمركية أقل من 4%. أما أسعار الرسوم الخاصة بمكافحة الإغراق فقد وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%، وأثبتت هذه السياسات فاعليتها في الحد من استيراد بعض السلع، ولا يزال المنتجون في هذه الدول يمارسون ضغوطا على حكوماتهم بغية الإبقاء عليها، وذلك على حساب المستهلكين الذين أصابهم ضرر كبير لإرتفاع أسعار السلع المستوردة. بسبب هذه الضغوط المستمرة، يزداد عدد الإجراءات سنويا.

من الناحية المبدئية يجب محاربة الإغراق عندما يقضي على القاعدة الرئيسية للتجارة السليمة وهي المنافسة، لكن المشكلة تتعلق بكيفية حساب هوامش الإغراق والجهة التي تحدد درجة الضرر وحدة التدابير المتبعة لمعالجته. هذه التقديرات متروكة لكل دولة بصورة انفرادية الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ إجراءات تعسفية، فعلى سبيل المثال يستوجب التنظيم التجاري العالمي أن تزول إجراءات مكافحة الإغراق فورا عندما تكون قيمة استيراد السلعة محل الإغراق ضعيفة، وتم الاتفاق على أن تكون هذه القيمة أقل من 3% من مبلغ واردات السلع المماثلة. الدولة المستوردة هي التي تتولى حساب هذه النسبة وتستطيع بالتالي محاربة أي سلعة حال إثبات أن قيمتها تفوق تلك النسبة[11].

وتهدف إجراءات مكافحة الإغراق في حقيقتها إلى منع أسواق الدول الصناعية على المنتجين من البلدان النامية الذين أثبتوا جدارتهم، خاصة في ميدان المنسوجات والملابس. أصبحت مكافحة الإغراق أخطر سلاح ضد تحرير التجارة العالمية، وسوف يستمر هذا الوضع فترة طويلة، ولا شك أن التنظيم الجديد للتجارة العالمية يستوجب إلغاء إجراءات مكافحة الإغراق بعد مرور خمس سنوات اعتبارا من تاريخ تطبيقها، لكنه يسمح أيضا للدول المستوردة بالاستمرار بها لمجرد شعورها باحتمال عودة الضرر بعد انقضاء هذه المدة[12].

و تعتبر مناهضة الإغراق سلاحا قويا تشتكي البلدان النامية من شروط استعماله. ويبلور استعماله العديد من الانتقادات و يفتح المجال أمام نزاعات تجارية مهمة. وتعتبر البلدان النامية نفسها في الغالب ضحية الاستعمال للتعسفي لتدابير مناهضة الإغراق من طرف الدول المتقدمة.

الفقرة الثانية:القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة للحكومات: المساعدات

إن  ما يعاب بالخصوص على التدابير الهادفة إلى دعم الأسعار الداخلية أو دعم الإنتاج بطريقة أخرى هو أنها تشجع الزيادة في الإنتاج مما يؤدي إلى إقصاء المنتوجات المستوردة من السوق، أو تؤدي إلى دعم الصادرات وممارسة الإغراق على الأسواق العالمية.

أولا- تصنيف المساعدات:

يمكن التمييز بين برامج الدعم التي تؤثر على الإنتاج و برامج الدعم التي ليس لها أثر على الإنتاج.

بالنسبة لبرامج الدعم التي لها تأثير مباشر على الإنتاج ، فقد قبلت الدول المتقدمة تخفيض هذا الدعم ب 20% في ظرف ستة سنوات ابتداء من 1995، كما التزمت البلدان النامية بالقيام بتخفيضها ب 13% خلا ل عشر سنوات.أما البلدان الأكثر فقرا فهي ليست ملزمة للقيام بأي تخفيض.

أما بالنسبة لبرامج الدعم التي ليس لها تأثير أو لها تأثير ضعيف على التجارة، فإنه يسمح باتخاذها. ويخص هذا الدعم:

- الخدمات التي تقدمها السلطات العمومية  كالبحث و الصحة العمومية و البنية التحتية و الأمن الغذائي

-  الأداءات المدفوعة مباشرة للفلاحين و التي ليس من شأنها تحفيز الإنتاج، كما هو الشأن بالنسبة لبعض أشكال الدعم المباشر للدخول و المساعدة على إعادة هيكلة الإستغلالات الزراعية ،

-الأداءات المباشرة  المقدمة في إطار برامج حماية البيئة مثلا.

- بعض الأداءات المباشرة للفلاحين بغية الحد من الإنتاج، و

- بعض برامج  المساعدة التي تقدمها الدولة من أجل التنمية الفلاحية و القروية في البلدان النامية.

- تدابير أخرى للدعم و التي يعتبر حجمها متواضعا جدا مقارنة مع القيمة الإجمالية للمنتوج أو المنتوجات المستفيدة.(5% أو أقل في البلدان المتقدمة و 10% أو أقل في البلدان النامية).

ثانيا- اللجوء إلى الرسوم التعويضية :

يمكن أن يفتح تقديم الحكومات لمساعدات لدعم إنتاجها الوطني المجال أمام إنشاء رسوم تعويضية “droits compensateurs ” تهدف إلى تعويض الضرر بإعادة التوازن إلى المنافسة.و كما هو الحال في مجال مناهضة الإغراق يجب أن تتسبب هذه المساعدات في ضرر بالنسبة لأحد فروع إنتاج الأعضاء الآخرين في المنظمة العالمية للتجارة و أن تكون هناك علاقة سببية واضحة.

فيجب على الدول المدعية هنا أن تثبت أن المساعدة لها آثار وخيمة على مصالحها، و إلا اعتبرت المساعدة مرخص بها.

ويحدد الاتفاق ثلاثة أنواع من الضرر: يمكن للمساعدات الممنوحة من طرف بلد ما أن تمس بفرع من فروع الإنتاج الوطني في البلد المستورد، ويمكن أن تؤدي إلى الإضرار بالمصدرين في بلد آخر عندما يتنافس كلا البلدين على أسواق الغير. وأخيرا يمكن للمساعدات الداخلية الممنوحة من طرف بلد ما أن تلحق ضررا بالمصدرين الذين يدخلون في منافسة على السوق الداخلي لهذا البلد.

إذا أثبت جهاز حل النزاعات أن المساعدة لها فعلا آثار وخيمة، فإنه يجب سحب المساعدة.و إذا تضرر منتجون وطنيون بواردات المنتوجات المدعمة،فإنه يمكن فرض رسوم تعويضية. كما يمكن للبلد المصدر المستفيد من الدعم أن يوافق على الرفع من أسعاره عند التصدير لتجنب فرض رسم تعويضي على منتوجاته.

و لا يمكن تحصيل رسم تعويضي إلا إذا قام البلد المستورد بتحقيق مفصل مشابه للتحقيق الذي يتم أجراؤه بشأن مناهضة الإغراق .

وهناك قواعد مفصلة تنظم تحديد وجود المساعدة ( و الحساب ليس دائما سهلا)، والمعايير المطبقة لمعرفة ما إذا كانت الواردات من المنتوج المدعم تلحق ضررا بالإنتاج الوطني، و المساطر المتبعة لإجراء التحقيقات ، و تنفيذ و مدة التدابير التعويضية( المحددة عادة في خمس سنوات).

المطلب الثاني: القواعد المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية و بحل الخلافات

الفرع الأول: القواعد المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية

أدخل اتفاق المنظمة العالمية للتجارة حول مظاهر حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة (ADPIC) التي تم التفاوض بشأنه أثناء جولة الاوروغواي المنعقدة من 1986 إلى 1994 لأول مرة القواعد المتعلقة بالملكية الفكرية في النظام التجاري المتعدد الأطراف.

تمثل الأفكار و المعارف جزءا مهما من التجارة، إذ ترجع قيمة الأدوية الجديدة و المنتوجات الأخرى ذات التقنية العالية إلى جهود الإبداع و الابتكار و البحث و التجارب الضرورية لصناعتها. فالأفلام و التسجيلات الموسيقية و الكتب و الحبكات المعلوماتية ( logiciels) تباع و تشترى من أجل المعلومة و الإبداع الذي تتضمنه و ليس من أجل المواد البلاستيكية أو المعدنية أو الورقية المستعملة في إنتاجها.

و يمكن للمؤلفين الحصول على حق منع الآخرين لاستعمال إبداعاتهم و رسوماتهم و نماذجهم أو إبداعات أخرى ، و استعمال هذا الحق للتفاوض بشأن أجر مقابل استعمالها من طرف الغير. و تتخذ هذه الحقوق المسماة بالحقوق الفكرية عدة أشكال : حقوق المؤلف بالنسبة مثلا للكتب و اللوحات و الأفلام، وبراءات الاختراع، وعلامات الصنع أو العلامات التجارية. وتخول الحكومات و البرلمانات هذه الحقوق للمبدعين لتحفيزهم على إنتاج الأفكار التي يستفيد منها المجتمع ككل.

تختلف درجة حماية و احترام هذه الحقوق كثيرا من بلد لآخر. وبما أن الملكية الفكرية أصبحت تلعب دورا مهما في التجارة، فقد أصبحت هذه الاختلافات مصدر توترات في العلاقات الاقتصادية الدولية، فكان من الضروري إعداد قواعد تجارية جديدة متفق عليها على المستوى الدولي بالنسبة لحقوق الملكية الفكرية كوسيلة لتدعيم النظام و حل الخلافات بشكل منظم.

وقد سمحت جولة الأورغواي بالحصول على هذه النتيجة، و يهدف اتفاق المنظمة العالمية للتجارة حول حقوق الملكية الفكرية إلى الحد من الخلافات في الطرق التي تتم بها حماية هذه الحقوق في العالم و إخضاعها لقواعد دولية مشتركة.فهو يحدد مستويات دنيا لحماية الملكية الفكرية التي يجب على كل حكومة أن تضمنها للأعضاء الآخرين في المنظمة.

غير أن جذور حماية هذه الحقوق لا تعود إلى منظمة التجارة العالمية التي تأسست عام 1995 بل إلى اتفاقية باريس عام 1967 الخاصة بحقوق الملكية الصناعية واتفاقية بيرن لعام 1971 التي تتناول حقوق التأليف، كما توجد مؤسسة عالمية متخصصة وهي المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية التي أنشئت عام 1967 مهمتها تطبيق هاتين الاتفاقيتين وتضم 157 دولة. لكن إطارها القانوني لا يسمح باحترام تلك الحقوق بفاعلية. ويقتصر على الجوانب الفنية البحتة ولا يشمل علاقة هذه الحقوق بالتجارة العالمية. وتحت ضغط الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ورغم معارضة غالبية البلدان النامية انتقلت أحكام الاتفاقيتين مع بعض التعديلات إلى جولة أوروغواي فظهر الاتفاق متعدد الأطراف حول حقوق الملكية الفكرية ذات العلاقة بالتجارة.

كما هو الحال في الكات و الاتفاقية العامة حول تجارة الخدماتAGCS)) ترتكز الاتفاقية حول حقوق الملكية الفكرية على مبادئ أساسية، إذ كما هو الحال في الاتفاقيتين الأخريين، يتم التركيز على عدم التمييز و المعاملة الوطنية ( المساواة في معاملة الأجانب و المواطنين) و شرط الدولة الأكثر رعاية. كما تعتبر المعاملة الوطنية مبدأ أساسيا في اتفاقيات أخرى حول الملكية الفكرية مبرمة خارج المنظمة العالمية للتجارة[13].

فماهي أنواع حقوق الملكية الفكرية ؟ و ماهي وسائل احترامها؟

الفقرة الأولى: أنواع حقوق الملكية الفكرية

نظرا لكثرة الإنتاج الفكري الغزير في شتى مناحي الحياة فقد أصبح من المتفق عليه أن الملكية الفكرية تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

• القسم الأول: هو قسم الملكية الفكرية الصناعية ويشتمل على الاختراعات والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية والمؤشرات الجغرافية و التصميمات والنماذج الصناعية.

• القسم الثاني: هو قسم الملكية الفكرية الأدبية والفنية ويضم حقوق المؤلف و الحقوق المجاورة لها.

أولا – حقوق الملكية الفكرية الصناعية :

وتشمل الاختراعات والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية والمؤشرات الجغرافية و التصميمات والنماذج الصناعية.

العلامة التجارية:

هي إشارة مميزة توضع على بعض السلع أو الخدمات لبيان أن شخصا محددا أو شركة محددة ينتجها أو يقدمها.

وتفيد العلامة التجارية في تمييز منتجات مؤسسة عن منتجات المؤسسات الأخرى، و ليس من الضروري أن تكون العلامة التجارية اسما بل يمكن أن  تكون حرفا أو عددا أو شكلا أو مجموعة ألوان أو لونا مميزا  أو رسما أو رمزا ثلاثي الأبعاد.

المؤشر الجغرافي:

وهو مؤشر  يحدد المكان الذي صنع فيه المنتوج، و المميزات الخاصة به ، مثلا تستخدم كلمة suisse  كمؤشر جغرافي للمنتجات المصنوعة في سويسرا كالساعات على وجه التحديد و هي تدل على الإتقان في الصنع.

و يمكن لاستعمال اسم مكان في حين أن المنتوج تم صنعه في مكان آخر أو ليس له المميزات المألوفة، أن يوقع بالمستهلكين في الخطأ، و يؤدي إلى منافسة غير نزيهة. و ينص الاتفاق على أنه يجب على الدول أن تمنع الاستعمال التعسفي لأسماء الأماكن.

وهناك بعض الاستثناءات المسموح بها خاصة عندما يكون الاسم محميا باعتباره علامة للصنع أو علامة تجارية. مثلا تعني كلمة cheddar اليوم نوعا خاصا من الجبن غير مصنع بالضرورة في cheddar البريطانية. غير أن كل البلدان الراغبة في إثارة هذا الاستثناء لهذه الأسباب يجب أن تكون مستعدة للتفاوض مع البلدان الأخرى التي ترغب في حماية المحدد الجغرافي المعني بالأمر.

•الرسوم و النماذج الصناعية :

تجد الرسوم و النماذج الصناعية مجال تطبيقها في الصناعة و الحرف اليدوية كصناعة الأجهزة التقنية و الطبية و الساعات و الحلي و الأجهزة المنزلية و الكهربائية و السيارات و الرسوم الموضوعة على الأقمشة.

و طبقا للاتفاق المتعلق بحقوق الملكية الفكرية يجب حماية الرسوم و النماذج الصناعية لمدة عشر سنوات على الأقل، ويجب أن يتمكن مالكو الرسوم المحمية من منع تصنيع و توريد أدوات تتضمن رسما منسوخا عن الرسم الحقيقي[14].

براءات الاختراع:

وهي حق استئثاري يمنح لاختراع هو منتج أو طريقة صنع جديدة لفعل شيء ما أو إتاحة حل جديد لمشكلة تقنية.

وتوفر البراءة لمالكها حماية الاختراع طوال مدة تصل إلى 20 سنة. و تتمثل الحماية الممنوحة في منع الغير من تقليد العمل نفسه أو عرضه للبيع محليا أو استخدامه لأغراض تجارية ( استيرادا و تصديرا) أو أي  غرض آخر دون الحصول على ترخيص من صاحب الاختراع.

و بمجرد انقضاء مدة الحماية تسقط الحقوق الإستئثارية الممنوحة للاختراع ، ويصبح بإمكان أشخاص آخرين استغلاله تجاريا بكل حرية.

ثانيا – حقوق الملكية الفكرية الأدبية والفنية:

وتشمل  حقوق المؤلف و الحقوق المجاورة لها:

حقوق المؤلف:

تضم حقوق المؤلف كافة أنواع المصنفات الأدبية والفنية كالروايات والقصائد والمسرحيات والأفلام والألحان الموسيقية والرسوم واللوحات والصور الشمسية والتماثيل والتصميمات الهندسية إضافة إلى برامج الحاسوب وغير ذلك من الأعمال الأدبية والفنية.

وقد مدد الاتفاق مجال تطبيق القواعد الدولية المتعلقة بحقوق المؤلف لتشمل حقوق الكراء. فيجب أن يكون لأصحاب برامج الحاسوب و منتجي التسجيلات الصوتية الحق في منع الإيجار التجاري لأعمالهم للجمهور، ويطبق الحق نفسه على الأعمال السينمائية التي أدى الإيجار التجاري بشأنها إلى إنجاز نسخ لا تحصى. و هو ما يمنع حاملي حقوق التأليف من كل الموارد المالية الممكنة.

الحقوق المجاورة لحق المؤلف :

وهي حقوق فناني الأداء المتعلقة بأدائهم وحقوق منتجي التسجيلات الصوتية المرتبطة بتسجيلاتهم وحقوق هيئات الإذاعة المتصلة ببرامج الإذاعة والتلفزيون.

وينص الاتفاق أيضا على أنه يجب أن يكون لمنتجي التسجيلات الصوتية والعازفين و الملحين الحق في منع كل تسجيل أو إعادة إنتاج أو توزيع غير مرخص به لخدماتهم خلال خمسين سنة.

الفقرة الثانية: وسائل ضمان احترام حقوق الملكية الفكرية

لا يكفي أن تكون هناك قوانين حول حقوق الملكية الفكرية، بل يجب ضمان احترام هذه القوانين. و قد تم تناول هذه المسألة في الجزء الثالث من الاتفاق حول حقوق الملكية الفكرية الذي ينص على أنه يجب على الحكومات أن تجعل قوانينها تحترم حقوق الملكية الفكرية و أن تكون العقوبات في حالة المخالفات كافية لكي تكون رادعة.

يجب  أن تكون إجراءات حماية حقوق الملكية الفكرية منصفة وعادلة ، ولا يجوز أن تكون معقدة أو باهظة التكاليف بصورة غير ضرورية ، ولا أن تنطوي على آجال غير معقولة أو تأخير غير مبرر[15].  و يجب أن يتمكن المعنيون بالأمر من أن يطلبوا من محكمة ما النظر في شرعية قرار إداري أو أن يقدموا استئنافا ضد حكم محكمة دنيا. ويجب أن تكون القرارات المتخذة بصدد موضوع أي من القضايا مكتوبة ومعللة . و أن تتم إتاحتها على الأقل للأطراف المعنية بالقضية دون أي تأخير لا لزوم له ، وألا تستند تلك القرارات إلا إلى الأدلة التي أعطيت للأطراف المتخاصمة فرصة عرض وجهة نظرها فيها.

ويصف الاتفاق بكيفية مفصلة و سائل احترام هذه الحقوق. فما هي هذه الوسائل؟

أولا – الإجراءات والجزاءات المدنية  والإدارية و الجنائية :

ينص اتفاق تريبس على المبادئ التوجيهية الخاصة بالإجراءات المدنية والإدارية الواجب إتباعها لحماية حقوق الملكية الفكرية وتشتمل على الأحكام الخاصة بالإجراءات العادلة والمنصفة  والأدلة  و الأوامر القضائية و التعويضات وجزاءات أخرى كصلاحية الأمر بالتخلص من المواد والمعدات التي تستخدم في صنع السلع موضع التعدي  وحق الحصول على المعلومات كصلاحية أن تأمر السلطات المخالف بإعلام صاحب الحق بهوية الأطراف الأخرى المشتركة في إنتاج السلع أو الخدمات المزورة وتوزيعها وقنوات التوزيع التي تستعملها و تعويض المدعى عليه .

كما ينص اتفاق تريبس أن تدرج  الدول الأعضاء في قوانينها  إجراءات وعقوبات جنائية تطبق على الأقل في حالات التقليد المتعمد للعلامات التجارية المسجلة أو انتحال حقوق المؤلف على نطاق تجاري ، وأن تنص الأعضاء أيضا على الجزاءات كالحبس أو الغرامة المالية والحجز ومصادرة وإتلاف السلع المتعدية أو أية مواد ومعدات تستخدم بصورة رئيسية في ارتكاب الجرم.

ثانيا: التدابير المؤقتة والمتطلبات الخاصة بالتدابير الحدودية

ينص اتفاق تريبس على مجموعة من التدابير المؤقتة للحيلولة دون حدوث تعد على أي حق من حقوق الملكية الفكرية ، ولا سيما منع السلع المقرصنة من دخول القنوات التجارية القائمة في مناطق اختصاصاتها ، ويشمل ذلك السلع المستوردة فور تخليصها جمركيا ، وحماية الأدلة ذات الصلة فيما يتعلق بالقرصنة المزعومة ، واتخاذ تدابير مؤقتة دون علم الطرف الآخر إذا كان من المرجح أن يسفـر أي تأخير عـن إلحاق أضـرار يصعب تعويضها أو حين يكون هناك احتمال لإتلاف الأدلة.

بالإضافة إلى ذلك   ينص اتفاق تريبس على بعض الإجراءات الخاصة بالتدابير الحدودية لتمكين صاحب الحق الذي لديه أسباب مشروعة للظن بوجود احتمال استيراد سلع فيها تزوير لعلامة تجارية أو انتحال لحق المؤلف من التقدم بالتماس مكتوب بأن توقف السلطات الجمركية إجراءات الإفراج عن تلك السلع وتـداولها بحـرية .

الفرع الثاني : قواعد حل الخلافات التجارية الدولية

ينشأ الخلاف عندما تتخذ دولة ما تدبيرا من تدابير السياسة التجارية أو من طبيعة أخرى يعتبر من طرف أحد أو العديد من أعضاء المنظمة العالمية للتجارة على أنه يخرق اتفاقيات المنظمة ،أو يخل بالتزامات معينة .ويمكن لمجموعة ثالثة من الدول أن تعلن على أن لها مصلحة في القضية فتستفيد من بعض الحقوق .

كانت توجد مسطرة لحل الخلافات في الاتفاقية القديمة للكات ، غير أنه لم يكن لها أي جدول محدد ،وكان من السهل تجميد القرارات وكانت آجال إنهاء العديد من القضايا طويلة جدا دون أن تصل إلى حل .

وقد وضعت مذكرة الاتفاق المنبثقة عن جولة الأوروغواي مسطرة مهيكلة ، ذات مراحل محددة بكل وضوح ،وأنشأت نظاما صارما فيما يخص آجال حل قضية من القضايا ،وآجال مرنة لمختلف مراحل المسطرة ،وتشير إلى أن الحل السريع يعتبر ضروريا لحسن سير المنظمة العالمية للتجارة .

وتوضح بطريقة مفصلة القواعد المسطرية الواجب إتباعها والآجال التي يجب احترامها من أجل هذا الغرض .ولا يجب أن تستمر المسطرة كاملة إلى غاية قرار المرحلة الابتدائية من الناحية المبدئية أكثر من سنة أو أكثر من 15 شهر على الأقل إذا كان هناك استئناف ، وتعتبر الآجال مرنة ، ففي حالة الاستعجال (أي عندما يتعلق الأمر بمنتجات تنتهي صلاحيتها) يتم تسريع المسطرة أكثر ما يمكن .

وتمنع المذكرة المنبثقة عن الأوروغواي أيضا الدولة التي رجعت عن وعدها من تجميد تبني القرار ،وحسب المسطرة القديمة للكات ، فإن القرارات لا يمكن اعتمادها إلا عن طريق التراضي ، إذ تكفي معارضة دولة واحدة لتجميدها ،أما الآن فيتم اعتماد القرارات أوتوماتيكيا باستثناء إذا كان هناك تراضي لرفضها .هكذا فإن الدولة التي تريد تجميد قرار يجب أن تقنع كل أعضاء المنظمة العالمية للتجارة بما في ذلك الطرف الخصم بتقاسم وجهة نظرها .

وتذكر هذه المسطرة كثيرا بالنظام القضائي، ولكن من الأفضل حث الدول المعنية على مناقشة مشاكلها وحل خلافاتها بنفسها، والمرحلة الأولى هي مرحلة المشاورات بين الحكومات المعنية، وحتى في المراحل اللاحقة يمكن دائما اللجوء إلى المشاورات أو الوساطة.

الفقرة الأولى: مسطرة حل الخلافات

قد يرفع بلدا ما مثلا وبشكل فجائي نسبة الرسم الجمركي المطبق على منتوج ما فوق المستوى الذي قبل في السابق تثبيته: فإذا كان قد ثبت الرسم في  10 % وقرر تطبيق نسبة 20 %. على العموم سيضر هذا السلوك  بالمصالح التجارية لبلد أو العديد من البلدان الأعضاء في المنظمة العالمية للتجارة  وترغب بالتالي في الرد.  ومن أجل ذلك يمكن أن تختار طريقين:

أولا-المسطرة الحبية:

و تكمن في التفاوض مع الدولة التي ارتكبت الخطأ خاصة عبر وسيلة التعويضات المقبولة بشكل متبادل و التي لا يجب أن تضر الأعضاء الآخرين.

فقبل اتخاذ أية  تدابير أخرى ،يجب على أطراف النزاع إجراء مشاورات فيما بينهم لمعرفة ما إذا كان يمكن التوصل إلى تفاهم ،وإذا لم تؤد هذه المناقشات إلى أي تفاهم يمكن للأطراف أن يطلبوا من المدير العام للمنظمة العالمية للتجارة التدخل كوسيط أو التدخل بصفة أخرى .

ثانيا – المسطرة القضائية:

وتقتضي تحريك مسطرة أمام جهاز حل الخلافاتORD التابع للمنظمة العالمية للتجارة. فإذا لم تؤد المشاورات إلى أي حل ، يمكن للبلد المدعي أن يطلب إنشاء مجموعة خاصة، ويمكن للبلد المدعى عليه منعه في فترة أولى، غير أنه لا يمكنه الاعتراض أثناء الاجتماع الثاني لجهاز حل النزاعات (ORD)، باستثناء إذا كان هناك تراضي ضد إنشاء مجموعة خاصة .

المهمة الأساسية والرسمية للمجموعة الخاصة هو مساعدة جهاز حل النزاعات في إصدار قرارات أو توصيات، وبما أنه لا يمكن رفض تقريرها إلا بواسطة التراضي، فإنه من الصعب إلغاء استنتاجاتها.ويجب أن ترتكز ملاحظات المجموعة حول الاتفاقيات المثارة.

الأجل المحدد لإنشاء مجموعة خاصة هو 45 يوما ،ويجب من الناحية المبدئية تبليغ التقرير النهائي للمجموعة الخاصة إلى أطراف النزاع داخل أجل ستة أشهر ، ويقلص هذا الأجل إلى ثلاثة أشهر في حالة الاستعجال خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتوجات تنتهي مدة صلاحيتها. تحدد مذكرة الاتفاق بتفصيل مساطر عمل المجموعات الخاصة ،والمراحل الأساسية هي كالآتي :

– قبل الاجتماع الأول :يعرض كل طرف من أطراف النزاع حججه كتابيا على المجموعة الخاصة

– الاجتماع الأول:  يقدم البلد المدعي، والبلد المدعى عليه، والبلدان التي صرحت بأن لها مصلحة في النزاع، حججها عند الاجتماع الأول للمجموعة الخاصة.

– الاجتماع الثاني: تقدم البلدان المعنية ردودا كتابية وحججا شفوية في الاجتماع الثاني للمجموعة الخاصة.

– خبراء:

إذا ما أثار أحد الأطراف مسائل ذات طابع علمي أو تقني يمكن للمجموعة الخاصة أن تستشير خبراء أو تعين مجموعة خبراء لإعداد تقرير استشاري.

– المشروع الأولي للتقرير :

ترجع المجموعة الخاصة للطرفين الأقسام الوصفية (العناصر والحجج لمشروع تقريرها الأولي) وتعطي لهما أجل أسبوعين لتقديم ملاحظاتهما .ولا يحتوي هذا التقرير على الملاحظات والاستنتاجات .

-التقرير المؤقت:

تعرض المجموعة الخاصة تقريرا مؤقتا يتضمن ملاحظاتها واستنتاجاتها على الطرفين اللذان يتوفران على أجل أسبوع لطلب إعادة النظر.

– إعادة النظر:

لا يجب أن تتجاوز مرحلة إعادة النظر أسبوعين، وخلال هذه الفترة يمكن للمجموعة الخاصة عقد اجتماعات أخرى مع الطرفين.

– التقرير النهائي:

يحال تقرير نهائي على الطرفين ،  وبعد ثلاثة أسابيع  ، يوزع على كل أعضاء المنظمة العالمية للتجارة ،فإذا توصلت المجموعة الخاصة على أن التدبير المطعون فيه هو فعلا تدبير مخالف لإتفاقية المنظمة العالمية للتجارة أو لأي التزام في إطار هذه المنظمة الأخيرة ،توصي بجعل التدبير متطابقا مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة ،ويمكن أن تقترح كيف يمكن الوصول إلى هذه الغاية .

– التقرير يصبح قرارا:

يصبح التقرير داخل أجل 60 يوما الموالية قرارا أو توصية للجهاز المكلف بحل النزاعات، باستثناء إذا كان هناك تراضي لرفضه، ويمكن للطرفين أن يتقدما باستئناف ضد القرار.

– الاستئناف:

يمكن لكل طرف أن يستأنف قرار المجموعة الخاصة، ويجب أن يرتكز الاستئناف على نقاط القانون، ويمكن أن لا يستهدف الحصول على النظر في الأدلة الموجودة أو دراسة مسائل جديدة.

وينظر في الاستئناف ثلاثة من بين سبعة أعضاء جهاز الاستئناف الدائم الذي يشكله جهاز حل النزاعات (ORD) والذي يعكس بشكل كبير تركيبة المنظمة العالمية للتجارة ،ويعين أعضاء جهاز الاستئناف لأربع سنوات ،ويجب أن يتعلق الأمر بشخصيات معروفة في مجال قانون التجارة الدولية والتي ليس لها أي ارتباط مع أي إدارة وطنية .ويمكن أن يؤدي الاستئناف إلى تأييد أو تعديل أو نقض الملاحظات والاستنتاجات القانونية للمجموعة الخاصة ،ولا يجب أن تتجاوز مدة المسطرة من الناحية المبدئية 60 يوما وفي جميع الأحوال 90 يوما .

ويجب على جهاز حل الخلافات أن يقبل أو يرفض تقرير جهاز الاستئناف داخل أجل 30 يوما، ولا يعتبر الرفض ممكنا إلا عن طريق التراضي.

وإذا اعترف جهاز حل الخلافات في نهاية هذه المسطرة على أن هناك بالفعل خطأ ما، يتوفر العضو المتهم على ثلاثة إمكانيات:

- أن تغير الدولة التي ارتكبت الخطأ سلوكها بوضع حد لخرق التزاماتها. و هكذا يجب على الدولة الخاطئة تعديل تنظيمها أو ممارستها الإدارية. و الهدف الأولي  في هذا الصدد هو الحصول من المدعى عليه الخاسر على جعل تدبيره متطابقا مع القرار أو التوصيات ، وتنص مذكرة الاتفاق على أنه من أجل حل النزاعات بفعالية في مصلحة جميع الأعضاء فمن الضروري تطبيق توصيات أو قرارات جهاز حل النزاعات في آجال معقولة .

- و إذا لم تكن الدولة الخاطئة قادرة على  تنفيذ ذلك لأسباب داخلية ، فإن الحل الثاني يكمن  بالنسبة لها في منح تعويضات تجارية تعادل من حيث الأهمية الضرر التجاري الذي تحمله الأعضاء الآخرين. فلتعويض الخسارة الناتجة عن رفع الرسم الجمركي على منتوج (أ) بنسبة من 10%إلى 20% يخفض البلد الذي تمت إدانته رسمه الجمركي على منتوج(ب) بنسبة20% إلى 10%.

- و الحل الثالث الممكن و الذي يجب أن يبقى من حيث المبدأ استثنائيا  يكمن بالنسبة للطرف المتضرر أن يطلب ترخيصا لاتخاذ تدابير إذا رأى أن الطرف الخاطئ لم يقم بتعديل تنظيمه أو ممارساته الإدارية أو رفض طريق التعويضات. فملائمة مع الضرر الذي تحملته،فإن الدولة المتضررة ستقوم بعد ترخيص جهاز حل الخلافات بفرض عقوبات تجارية محدودة ضد الطرف الآخر كأن تقوم مثلا بسحب الامتيازات التي منحتها في السابق للدولة الخاطئة. أو تقوم مثلا برفع رسمها الجمركي على منتوج أو العديد من المنتوجات التي تستوردها من الدولة الخاطئة لاستعادة توازن المبادلات السابق.

ويجب على هذا الجهاز أن يمنح هذا الترخيص داخل أجل 30 يوما الموالية لانتهاء الأجل المعقول باستثناء إذا كان هناك تراضي لرفض هذا الطلب.

مبدئيا يجب فرض العقوبات في القطاع نفسه الذي يشكل موضوع النزاع، وإذا لم يكن هذا ممكنا أو فعالا، يمكن أن تفرض العقوبات في قطاع آخر تنظمه الاتفاقية نفسها.وإذا لم يكن هذا فعالا أو ممكنا فإنه يمكن إصدار عقوبات بمقتضى اتفاقية أخرى، والهدف هو الحد أكثر ما يمكن من تأثيرات هذه العقوبات على قطاعات أخرى مع التأكد من فعاليتها.

وفي جميع الحالات، فإن جهاز حل النزاعات يراقب مدى تنفيذ القرارات المتخذة، وكل قضية معلقة تبقى على جدول أعماله إلى غاية الفصل في المسألة.

وفي كل مرحلة من هذه المراحل يتم حث أطراف النزاع على عقد مشاورات فيما بينهم بهدف الوصول إلى حل ودي ،وفي كل مرحلة يمكن للمدير العام للمنظمة العالمية للتجارة أن يعرض مساعيه الحميدة أو وساطته أو المساعدة من أجل الوصول إلى صلح .

الفقرة الثانية: أمثلة تطبيقية

أولا-قضية الموز واللحم بالهرمون:

أ- قضية الموز: L’ affaire des bananes

•الوقائع الأساسية:

تعود قضية الموز إلى 1 يوليوز 1993حين قام الإتحاد الأوروبي بوضع نظام جديد للاستيراد يمزج بين الحصص المحددة بالنسبة للبلدان الإفريقية و الكارايبي و المحيط الهادي، ونظام يحفظ مصالح المنتجين في الإتحاد الأوروبي  و بلدان إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي وذلك على حساب  الموز المسمى الدولار  و القادم من أمريكا اللاتينية  و المسوق من طرف الشركات الأمريكية.

وفي 5 فبراير 1996 وضعت الولايات المتحدة  الأمريكية و الإيكواتور و غوانتيمالا و الهندراس و المكسيك دعوى ضد الإتحاد الأوروبي.

• الحل:

تمت إدانة هذا النظام أول مرة من طرف جهاز حل الخلافات بتاريخ 25 شتنبر1997. و أكد جهاز حل الخلافات أن النظام الأوروبي لم يكن بالفعل متطابقا مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة.

وقد منح هذا الجهاز للإتحاد الأوروبي أجلا إلى غاية 1 يناير 1999 ليتطابق مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة. وقد اعتبرت  الولايات المتحدة الأمريكية أن التعديلات التي قام بها الإتحاد الأوروبي  لا تزال غير متطابقة مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة، فطالبت بإجراءات انتقامية بمبلغ 520 لف دولار. .فرخص المحكم للولايات المتحدة باعتماد تدابير تجارية انتقامية تحت شكل زيادة ب 100% لبعض الرسوم الجمركية بالنسبة ل 191,4 ألف طن. و أمام ذلك وعد الإتحاد الأوروبي بأن يقوم من جديد بإصلاح نظامه حتى يكون متطابقا مع قواعد المنظمة العالمية للتجارة و الحصول على رفع الإجراءات الانتقامية.

وفي 11 أبريل2001 تم حل الخلاف بين الإتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أبدى الإتحاد الأوربي رغبته في احترام مقتضيات المنظمة العالمية للتجارة و إلغاء الحصص المخصصة لبلدان إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي في 2006. وفي 1 يوليوز 2001 رفعت الولايات المتحدة الأمريكية عقوباتها.

وفي 1 غشت 2005 ظهر النزاع من جديد مع نشر تقرير تحكيمي لثلاثة خبراء مقبولين من طرف المنظمة العالمية للتجارة التي رفعت أمامها القضية من طرف تسعة بلدان من أمريكا اللاتينية(البرازيل و كوستاريكا و كولومبيا و الإيكوادور و هندراس و غواتيمالا و نيكارغوا و باناما و فينزويلا) وقد أدان هذا التقرير النظام الجديد للواردات التي وضعه الإتحاد الأوربي في 1يناير 2006 معتبرا أن رسم 230 أورو للطن الذي يعتزم الإتحاد الأوروبي تطبيقه على واردات الموز القادم من أمريكا اللاتينية هو رسم مرتفع جدا . ولأن بلدان مجموعة إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي لا تخضه لهذا الرسم الجمركي.

وفي 26 نونبر 2008 اعتبر جهاز الاستئناف التابع للمنظمة العالمية للتجارة أن نظام استيراد الموز في الإتحاد الأوروبي يخالف قواعد التجارة الدولية، و أيد القرار الأولي المتخذ في أبريل  2008 لصالح الإيكواتور و في ماي 2008 لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، و الذي  استأنفه الإتحاد الأوروبي في28 غشت 2008 و قد أيد  جهاز الاستئناف قرار المجموعة الخاصة معتبرا أن الأفضلية الممنوحة من طرف الإتحاد الأوروبي تحت شكل حصص استيراد سنوية معفاة من الرسوم 775000 طن من الموز المستورد من بلدان إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي يشكل أحد المزايا الممنوحة لهذا النوع من الموز ، غير ممنوحة للموز المشابه و المستورد من باقي دول أعضاء المنظمة العالمية للتجارة و التي لا تنتمي إلى هذه الدول ،و بالتالي فهي مخالفة لقواعد  الكات.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية و الإيكواتور  قد انتقدا نظام الاستيراد الأوروبي المتعلق بالموز الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2006، و الذي يفرض رسما جمركيا على الطن بالنسبة للموز غير القادم من دول مجموعة إفريقيا و الكاريبي و المحيط الهادي. و قد أكد الإتحاد الأوروبي أنه مستعد للتفاوض مع شركاءه التجاريين في إطار جولة الدوحة لوضح حد لما يزيد عن 25 سنة من الخلاف، فقد اقترح في جنيف في يوليوز 2008 تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على الموز غير القادم من دول مجموعة إفريقيا و الكارايبي و المحيط الهادي من هنا و إلى غاية 2016، غير أن فشل المفاوضات لم يسمح بإنهاء هذا الاقتراح.

ب- قضية اللحم بالهرمون : viande aux hormones

• الوقائع الأساسية:

منع الإتحاد الأوروبي واردات لحم البقر المعالج بالهرمون، وادعى أن المنع يعتبر ضروريا نظرا للضرر الذي يسببه هذا النوع من الغذاء على صحة الإنسان. (المنع لأسباب صحية)، غير أن الولايات  المتحدة الأمريكية  وكندا  احتجتا على أنه ليس هناك دليلا علميا على الآثار المضرة للحم المعالج بالهرمون.

تم إنشاء المجموعة الخاصة في 20 ماي 1996 /شكاية الولايات المتحدة الأمريكية. و16 أكتوبر 1996 بعد شكاية كندا.

وفي 18 غشت 1997 تم نشر تقارير المجموعة الخاصة. وفي 16 يناير 1998 نشر تقرير جهاز الاستئناف.

وكان التاريخ المحدد من طرف المحكمين لتنفيذ توصيات جهاز الاستئناف هو 13 ماي1999، وفي 12 يوليوز1999 أتخذ المحكم القرار المتعلق بمستوى الرد وهو 116 مليون دولار أورو سنويا و3,11  مليون دولار كندي سنويا

• الحل:

-ملاحظات المجموعة الخاصة:

اعتبرت المجموعة الخاصة أن التدبير الصادر عن الإتحاد الأوروبي يشكل خرقا للمادة3 المتعلقة بالتناسب، إذ توجد قواعد دولية فيما يخص خمسة من أصل ستة أنواع من الهرمون،غير أن التدبير الأوروبي لم يتم اتخاذه على أساس هذه القواعد، وهو يتطابق مع مستوى حمائي جد مرتفع و لم يتم تبريره بواسطة تقييم للمخاطر  ولذلك ، فإن مستوى الحماية المقرر بالنسبة للحم البقر المعالج بالهرمون كان جد مرتفعا عما هو مطلوب في الوضعيات المماثلة، وهذا الاختلاف يعتبر تعسفيا و أدى إلى تمييز و تقييد مقنع للتجارة خاصة و أن الإتحاد الأوروبي قد رخص – و بشكل يناقض منعه استيراد لحم البقر المعالج بالهرمون لأسباب صحية- بتركيز جد مرتفع لنفس الهرمونات الموجودة بشكل طبيعي في  اللحم و عناصر أخرى من الغذاء المعالج، و استعمال نفس الهرمونات لغايات علاجية و تدبير القطيع، واستعمال منشطات أخرى للنمو في إنتاج لحم الخنزير من المعروف على أنها تسبب في السرطان.

كما اعتبرت المجموعة الخاصة  أن منع الإتحاد الأوروبي لم يرتكز على تقييم للمخاطر يشكل ، ولم تدعم الدراسات العلمية التي قام بها الإتحاد الأوروبي لخمسة أنواع من الهرمونات منع اللحم المعالج بالهرمون.بالإضافة إلى ذلك و لم يثر الإتحاد الأوروبي تطبيق تدابير حمائية بشكل مؤقت ولكنه أثار تطبيق مبدأ الحماية بصفة عامة. وقد لاحظت المجموعة الخاصة أن إثارة مبدأ الحماية لا يعفي الدولة من التزاماتها النابعة من الاتفاق حول تدابير الصحة و السلامة (SPS).

- ملاحظات جهاز الاستئناف:

أيد جهاز الاستئناف ملاحظة المجموعة الخاصة التي مفادها أن التدبير الصادر عن الإتحاد الأوروبي يتماشى مع مستوى حمائي جد مرتفع عن القاعدة الدولية،ولم يكن مبررا بواسطة تقييم للمخاطر و بالتالي فهو يشكل خرقا للمادة3.

كما أيد جهاز الاستئناف ملاحظة المجموعة الخاصة بخصوص المادة5 الفقرة 1 و التي مفادها أنه ليس هناك علاقة منطقية بين التدبير و الدلائل العلمية المقدمة فيما يخص خمسة أنواع من الهرمونات و لاحظ أنه لم يكن هناك تقييم للمخاطر بالنسبة للنوع السادس من الهرمونات.

في حين نقض جهاز الاستئناف ملاحظات المجموعة الخاصة بخصوص الهرمونات المضافة و الهرمونات الموجودة بشكل طبيعي في اللحم و المنتوجات الغذائية الأخرى . وأن الاستعمال العلاجي للهرمونات يشكل موضوع مراقبة صارمة. وأكد أن الاختلاف  بين منع لحم البقر المعالج بالهرمون و استعمال منشطات النمو في إنتاج لحم الخنزير كان كيفيا، ولكنه لم يعتبر هذا الاختلاف  أنه يؤدي إلى تمييز أو إلى تقييد مقنع للتجارة.

لم يقم الإتحاد الأوروبي بتنفيذ ما هو مطلوب منه أي رفع حصاره عن لحم البقر المعالج بالهرمون  في الأجل المحدد لذلك في 13 ماي 1999، وطلبت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ترخيصا باتخاذ تدابير  للرد تصل إلى 202 مليون دولار  أمريكي سنويا و 75 مليون دولار كندي سنويا. ونتيجة لذلك رخص جهاز حل الخلافات  للولايات المتحدة الأمريكية و كندا انطلاقا من 29 يوليوز1999 بتطبيق تدابير  تعويضية على بعض المنتوجات المستوردة من الإتحاد الأوروبي. وترجم ذلك بواسطة رسوم جمركية ب 100%. و اعتبر المحكمون أن القيمة الملائمة يجب أن تكون 116 مليون دولار أمريكي و3,11 مليون دولار كندي على التوالي.

ثانيا- قضية البترول الفنزويلي :

الوقائع الأساسية:

نشأ الخلاف لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تطبق على البترول المستورد  قواعد صارمة تخص الخصائص الكيميائية  غير تلك القواعد المطبقة على البترول المكرر في الولايات المتحدة الأمريكية .ومن وجهة نظر فنزويلا، وبعد ذلك البرازيل ، فإن هذا الأمر لم يكن عادلا لأن البترول الأمريكي لم يكن يخضع للقواعد نفسها .وأن هذا التدبير يعتبر مخالفا لمبدأ المعاملة الوطنية ولا يمكن تبريره بالاستثناءات الواردة على القواعد العادية للمنظمة العالمية للتجارة المتعلقة بالتدابير الصحية وتدابير حماية البيئة .

بتاريخ 23 يناير 1995 تقدمت فنزويلا بدعوى أمام الجهاز المكلف بحل النزاعات ،تعرض فيها أن الولايات المتحدة الأمريكية تطبق قواعد تؤدي إلى تمييز ضد الواردات البترولية .وطلبت رسميا بفتح مشاورات مع الولايات المتحدة الأمريكية .

الحل:

بعد أكثر من سنة تقريبا (في يناير 1996 )انتهت المجموعة الخاصة المكلفة بالقضية من إعداد تقريرها النهائي(وفي هذه اللحظة أصبحت البرازيل طرف في النزاع بعد إيداع دعواها الخاصة في أبريل 1996، وقد فحصت المجموعة الخاصة نفسها الدعويين معا). فأكدت المجموعة الخاصة المكلفة بالنزاع أن فنزويلا والبرازيل كانتا على صواب.

قدمت الولايات المتحدة استئنافا ،أعد جهاز الاستئناف تقريره مؤيدا استنتاجات المجموعة الخاصة ،مع تعديل بعض نقاط تفسير القانون المقدم من طرف المجموعة الخاصة واعتمده الجهاز المكلف بحل النزاعات في 20 ماي 1996 أي بعد سنة وأربعة شهور بعد إيداع الدعوى الأولى .

وكان يجب انتظار 6 أشهر ونصف لتتفاهم الولايات المتحدة وفنزويلا على ما يتوجب على الولايات المتحدة القيام به.وكان الأجل المتفق عليه لتنفيذ الحل هو 15 شهرا ابتداء من نهاية مسطرة الاستئناف ( 20 ماي 1996 إلى 20 غشت 1997 ) .

واتفقت الولايات المتحدة مع فنزويلا على أنها ستقوم بتعديل قانونها داخل أجل 15 شهرا ،وفي 26 غشت 1997 ،بلغت الولايات المتحدة الأمريكية الجهاز المكلف بحل الخلافات بالمصادقة على قانون جديد في 19 غشت 1997.

يشكل حل الخلافات ،مفتاح النظام التجاري المتعدد الأطراف ومساهمة ليس لها سابقة للمنظمة العالمية للتجارة في استقرار الاقتصاد العالمي ، فبدون وسيلة لحل الخلافات ،فإن النظام المرتكز على قواعد لن تكون له أي فائدة، لأن القواعد لا يمكن تطبيقها.

الخاتمة:

في الوقت الذي  ظهرت فيه مفاوضات جولة الدوحة  تحت رعاية المنظمة العالمية للتجارة طويلة و صعبة، وكانت المؤتمرات الوزارية للمنظمة العالمية للتجارة على شفا مخالفات في الداخل و مظاهرات عنيفة في الخارج، و في الوقت الذي تعددت فيه الإتفاقيات التجارية التفضيلية بسرعة لم يسبق لها مثيل، وتتم إثارة  البيئة  و حقوق الإنسان و الهجرة و اليد العاملة أكثر فأكثر ومع الأزمة الإقتصادية العالمية  التي تعصف بإقتصاديات العالم فهل فقد النظام المتعدد الأطراف للقواعد التي تحكم المبادلات الدولية منذ ما بعد الحرب جدواه؟

إن الجواب هو لا. صحيح، و كما هو الحال بالنسبة للعديد من عناصر الهندسة الدولية المشيدة بعد الحرب لا يمكن أن نعتبر قوة النظام التجاري المتعدد الأطراف كمكسب.فهذا النظام يواجه مشاكل مهمة تتمحور حول مسألتين: الدور المتزايد للدول النامية و الطابع الحساس لبرنامج التحرير غير المكتمل. و الوضعية معقدة أيضا بواسطة إنتشار الإتفاقيات التجارية التفضيلية (أكثر من 200 اتفاقية يجري بها العمل اليوم،  أي أكثر من ست مرات عما كانت عليه منذ عشرين سنة. و هناك حوالي 400 اتفاقية متوقعة من هنا و إلى غاية سنة 2010).

كما تم الحد من الطابع العلمي للقواعد القانونية عبر سلسلة من الإستثناءات:إذ سمحت هذه الأخيرة ببعض الإستثناءات لصالح الإتحادات الجمركية( إلغاء الحدود بين أعضاء الإتحاد و سياسة مشتركة إزاء الدول الأخرى)، ولصالح مناطق التبادل الحر التي تتميز بإلغاء الحواجز الجمركية مع إبقاء كل بلد على منطقة خاصة برسومه الجمركية.

بالإضافة إلى ذلك توجد بعض القيود الأخرى، إذ يمكن لقوة عظمى مهيمنة أن تؤثر في مركز القرار في البلدان الخاضعة لهيمنتها لإقتناء منتوجاتها.

وإذا كانت التجارة الدولية تتميز بالعولمة فقد تمت مناهضتها بشدة من طرف المجتمع المدني ( الايكولوجيين و الفلاحون و النقابيون). و طابت الحركات المناهضة للعولمة بتجارة عادلة.

إن الجواب عن هذه الأسئلة سيحدد ما إذا ستظل التجارة الدولية منظمة دائما بأنظمة متعددة الأطراف أم أنها ستصبح مجالا لكتل تجارية متصارعة و نزاعات متصاعدة.

الفهرس:

مقدمة:

المبحث الأول: من الكات إلى المنظمة العالمية للتجارة

المطلب الأول: اتفاقية الكات والتطور نحو إنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO)

الفرع الأول: الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات GATT): النشأة و الأهداف

الفقرة الأولى: نشأة الكات

الفقرة الثانية: أهداف الكات

الفرع الثاني: تطور الكات و انتهاؤها

الفقرة الأولى: تطور الكات

الفقرة الثانية: انتهاء الكات

المطلب الثاني:المنظمة العالمية للتجارة

الفرع الأول: الهيكلية

الفقرة الأولى: الأجهزة العامة

الفقرة الثانية: الأجهزة المتخصصة

الفرع الثاني: شروط العضوية في منظمة التجارة العالمية

الفقرة الأولى: شروط الانضمام لمنظمة التجارة العالمية
الفقرة الثانية: إجراءات التقديم والقبول

المبحث الثاني: قواعد التجارة الدولية

المطلب الأول: القواعد المتعلقة بتجارة السلع و الخدمات

الفرع الأول: القواعد المتعلقة بحرية التجارة و بالأمن و الشفافية

الفقرة الأولى: القواعد المتعلقة بحرية التجارة

الفقرة الثانية : القواعد المتعلقة بالأمن و الشفافية

الفرع الثاني: القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة

الفقرة الأولى: الفقرة الأولى: القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة للمقاولات: الإغراق

الفقرة الثانية: القواعد المتعلقة بمحاربة الممارسات غير النزيهة للحكومات: المساعدات

المطلب الثاني: قواعد التجارة الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية و بحل الخلافات

الفرع الأول: القواعد المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية

الفقرة الأولى: أنواع حقوق الملكية الفكرية

الفقرة الثانية: وسائل ضمان احترام حقوق الملكية الفكرية

الفرع الثاني: القواعد المتعلقة بحل الخلافات التجارية الدولية

الفقرة الأولى: مسطرة حل الخلافات

الفقرة الثانية: أمثلة تطبيقية


[1] حول التجارة الدولية وجهود تحريرها ، وحول اتفاق هافانا وميلاد الجات وتطورها الى انشاء منظمة التجارة الدولية :- انظر عبد الحكيم الرفاعي ، السياسات الجمركية الدولية والتكتلات الاقتصادية ، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع ، القاهرة 1976 ص .50-52 ) وكذلك انظر الأمم المتحدة – مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية – اعمال الدورة السابعة – مجلد 3 جنيف 1987 ، نيويورك 1989  ص 992 . وكذلك انظر عبد الناصر نزال ، منظمة التجارة العالمية ، ، عمان 1999 . ويونس عرب ، موسوعة القانون وتقنية المعلومات ، الكتاب الخامس ، دليل اتفاقيات التجارة الدولية ومشروعات الاستثمار المعلوماتي ، اتحاد المصارف العربية ، 2002  بيروت .

[2] الجولات التفاوضية هي اداة العمل وفق اتفاقيات الجات الاصلية وتقوم على دخول الدول الاطراف – وليس الاعضاء باعتبار الجات في ذلك الوقت مجرد اتفاقية وليس منظمة – قي جولات تفاوضية حول سياسات التجارة العالمية التي تتيح تحريرها وبشكل رئيس خفض التعرفة الجمركية ورفع القيود غير الجمركية على تجارة البضائع و هذه الجولات هي :- 1948 - جنيف – سويسرا –  1949 – آنسي – فرنسا –  1950-1951 توركاي – بريطانيا – 1956  جنيف – سويسرا – 1960 – 1962 ديلون – سويسرا – 1964 – 1967 كندي – 1973-1979 طوكيو – اليابان / 1986-1994 جولة الاورغواي .

-[3] المصطفى ولد سيدي محمد، تأثير منظمة التجارة العالمية على الاقتصاد العالمي، بحث منشور في موقع:www.aljazeera.net

[4] - يونس عرب، نظرة عامة على اتفاقيات التجارة الدولية وأثرها على النظام القانوني الأردني ، نقابة المحامين الأردنيين برنامج تدريب المحامين المتدربين2003.

[5] – مصطفى سلام، قواعد الكات، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى، بيروت1998 ،ص.62.

[6] – صباح نعوش ،العالم الإسلامي ومنظمة التجارة العالمية،  بحث غير منشور.

[7] – فادي علي مكي ،ما بين الغات ومنظمة التجارة العالمية،  ، المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى 2000.

http://www.finances.gov.fr/omc2000.- [8]

[9] –     تحدد الاتفاقية أربعة طرق وهي:

-الطريقة 1: تموين خدمات من بلد لآخر.مثلا: الاتصالات الهاتفية الدولية التي تسمى رسميا التموين العابر للحدود.

- الطريقة 2: استعمال خدمة من طرف المستهلكين أو المقاولات في بلد آخر.مثال: السياحة التي تسمى رسميا الإستهلاك في الخارج.

-الطريقة 3: إنشاء فروع من طرف مقاولة أجنبية بهدف تموين خدمات في بلد آخر.مثال: عمليات البنوك الأجنبية في بلد من البلدان و تسمى رسميا الحضور التجاري.

- الطريقة 4: إنتقال الأشخاص الذين يغادرون بلدهم لتقديم خدمات في بلد لآخر.مثال: عارضات الأزياء و المستشارون و المحامون، ويطلق عليها رسميا حضور الأشخاص الطبيعيين.

http://www.omc.org.-10

[11] -صباح نعوش، العرب و المنظمة العالمية للتجارة، بحث منشور في:www.aljazeera.net

[12] – صباح نعوش، المرجع نفسه.

[13] – انظر ، يونس عرب ، موسوعة القانون وتقنية المعلومات ، الكتاب الاول ، قانون الكمبيوتر ، ط1 ، منشورات اتحاد المصارف العربية ، 2001 بيروت ، ص 298 وما بعدها .

[14] – انظر سميحة القليوبي ، الملكية الصناعية ، ط2 ، دار النهضة العربية ، 1998 القاهرة ، ص. 5 . ولمزيد من التفصيل حول الملكية الصناعية انظر أيضا احمد سويلم العمري ، براءات الاختراع ، الدار القومية للطباعة والنشر ، 1968 ، القاهرة .

[15] – أنظر في هذا الشأن :www.omc.org

About these ads

الإجراءات

Information

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: